: آخر تحديث

العمل الإنساني... هوية وطن

0
0
0

عبدالعزيز الكندري

تحيي دولة الكويت في التاسع من سبتمبر من كل عام، ذكرى تكريمها من قبل الأمم المتحدة، وتسمية الكويت «مركزاً للعمل الإنساني». وهذا استحقاق كويتي نفاخر به الأمم، لأن العمل الخيري ودولة الكويت خطان متوازيان منذ القدم.

لم يكن العمل الخيري في الكويت وليد الثروة النفطية، بل سبقها بعقود طويلة، ونشأ متجذراً في قيم التكافل والزكاة والصدقة والوقف وإغاثة المحتاج. فقد عرف المجتمع الكويتي منذ نشأته ثقافة التعاون ومد يد العون، مستفيداً من طبيعة الكويت البحرية والتجارية التي جعلتها على اتصال بمختلف الشعوب والمجتمعات.

ومن الشواهد التاريخية على ذلك، ما ارتبط بعهد الشيخ جابر الأول ابن عبدالله، حاكم الكويت الثالث، الذي عُرف بلقب «جابر العيش» لما اشتهر به من مساعدة الفقراء والمحتاجين. كما تمثل وقفية الشيخ محمد بن عبدالرحمن العدساني عام 1783 شاهداً مبكراً على رسوخ ثقافة الوقف والعطاء في المجتمع الكويتي.

لم يقتصر العطاء الكويتي على إغاثة المحتاجين، بل امتد إلى بناء الإنسان ودعم التعليم. ومن أبرز الشواهد على ذلك المدرسة الأحمدية التي أُنشئت عام 1921، حيث واجهت في بداياتها تحديات مالية، فبادر سلطان إبراهيم الكليب إلى حملة تبرعات لدعم المدرسة، وجُمعت مبالغ سنوية أسهمت في استمرارها.

كما تعهّد أمير الكويت آنذاك الشيخ أحمد الجابر الصباح، رحمه الله، بدعم المدرسة بمبلغ سنوي، واستمر هذا الدعم لسنوات، حتى تأسس مجلس المعارف عام 1936.

ومع تدفق الثروة النفطية، لم يكن السؤال الكويتي: كيف نبني الكويت فقط؟ بل امتد إلى سؤال أكبر: كيف نساهم في بناء الآخرين؟

من هنا انتقلت الكويت تدريجياً من صور العطاء الفردي والمجتمعي إلى العمل التنموي المؤسسي... فكان إنشاء الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية عام 1961 محطة مفصلية في تاريخ العطاء الكويتي، إذ بدأ الصندوق نشاطه التنموي في المنطقة، ثم توسع ليشمل دولاً نامية في آسيا وأفريقيا ومناطق أخرى من العالم.

وإلى جانب مؤسسات الدولة، أسهمت الجمعيات والهيئات الخيرية الكويتية في ترسيخ هذه الهوية الإنسانية، فامتدت مشاريعها إلى مناطق مختلفة من العالم، وشملت الغذاء والدواء والمأوى، وحفر الآبار، وبناء المساجد والمدارس والمراكز الصحية، وكفالة الأيتام، وإغاثة المتضررين من الكوارث والحروب.

ولم يكن هذا الدور منفصلًا عن المجتمع، بل كان المجتمع نفسه شريكاً أساسياً فيه؛ فالمواطن والمقيم والمتبرع والجمعية والمؤسسة جميعهم أسهموا في صناعة هذه التجربة، حتى أصبح التبرع وإغاثة المحتاج ومساندة المنكوبين جزءاً من الثقافة المجتمعية الكويتية.

وتعزز الحضور الإنساني الكويتي بصورة أكبر خلال الأزمات والحروب والكوارث، حيث قدمت الكويت الدعم للاجئين والنازحين، وأسهمت في تمويل المبادرات الإنسانية والتنموية، واستضافت مؤتمرات دولية للمانحين، وشاركت في دعم جهود المنظمات الدولية الرامية إلى تخفيف معاناة المتضررين، وهنا يكمن الفرق بين أن تكون الدولة مانحة للمساعدات، وأن تتحول إلى مركز للعمل الإنساني.

إن قصة الكويت الإنسانية ليست قصة أموال تُدفع فحسب، وإنما قصة ثقافة تحولت إلى مؤسسات، ومؤسسات تحولت إلى سياسة، وسياسة تحولت إلى حضور دولي

فمن الوقف والزكاة والتكافل في المجتمع الكويتي القديم، إلى الصندوق الكويتي للتنمية، وبيت الزكاة، والأمانة العامة للأوقاف، والجمعيات والهيئات الخيرية، تشكلت منظومة متكاملة جعلت من الخير ممارسة مجتمعية ورسالة وطنية.

فالكويت لم تصبح مركزاً للعمل الإنساني يوم كرّمتها الأمم المتحدة؛ بل جاء التكريم لأن العمل الإنساني كان، وما زال، جزءاً من هويتها الوطنية.

ومن الكويت، التي عرف أهلها معنى التكافل قبل النفط، امتدت أيادي الخير إلى مختلف بقاع الأرض، لتؤكد أن الأوطان لا تُقاس فقط بمساحتها وثرواتها، وإنما بما تمنحه للإنسان، وبالأثر الذي تتركه في حياة الآخرين.

والآن لم يعد العمل الخيري الكويتي مجرد استجابة لحاجة طارئة ، بل أصبح منظومة متكاملة تتطلب وعياً عميقاً بالسياق المحلي، وقدرة على تحويل الموارد إلى أثر مستدام، وهذا هو التحدي القادم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد