اللحظة الأكثر خطورة على أي نظام ليست حين يخشاه الآخرون أقل، بل حين يكتشف متأخرًا أن الصورة التي أرعب بها المنطقة سنوات طويلة لم تعد ترعب أحدًا، وأن المطرقة التي ظن أنه يمسك بها لم تكن كبيرة كما تخيل، وأن العالم من حوله لم يكن مجموعة مسامير تنتظر الضربة..
أخطر ما تواجهه إيران ليس أميركا، ولا إسرائيل، ولا العقوبات، ولا حتى انكشاف دفاعاتها. أخطر ما تواجهه هو الوهم الذي صنعته بنفسها، ثم صدقته.
على مدى سنوات طويلة، تصرفت القيادة الإيرانية كما لو أن تكرار الشعارات يمكن أن يغيّر موازين القوى، وكأن كثرة الصواريخ والمسيّرات والخطب النارية تكفي لصناعة دولة قادرة على فرض إرادتها خارج حدودها. وفي كل مرة كان خصومها يتجنبون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، كانت طهران تقرأ الحذر على أنه خوف، وضبط النفس على أنه عجز، وتأجيل المواجهة على أنه انتصار.. وهذه واحدة من أخطر طرق سوء الفهم في السياسة الدولية.
حين تحدث محسن رضائي قبل سنوات عن أسر ألف جندي أميركي وتحويلهم إلى ورقة مساومة مالية، لم يكن التصريح مجرد استعراض لفظي عابر. كان نموذجاً مكثفاً لطريقة تفكير ترى العالم من خلال الأمنيات لا الحقائق. السؤال اليوم ليس لماذا قيل هذا الكلام، بل كيف استطاعت منظومة كاملة أن تتعايش طويلاً مع تصورات من هذا النوع، وأن تبني عليها تقديراتها للخصوم والحرب والردع؟
المشكلة أن إيران لم تتعلم من تجاربها، بل تعلمت منها الدرس الخطأ.. سنوات من العمليات غير المباشرة، والهجمات عبر الوكلاء، والضغط على الممرات البحرية، واستهداف المصالح الأميركية والإقليمية، لم تؤدِ إلى رد شامل. وبدلاً من فهم ذلك بوصفه قراراً سياسياً محسوباً من خصومها، نشأت داخل طهران قناعة بأن أحداً لا يريد اختبارها.. ومن هنا بدأ الانفصال بين الواقع والرواية.
الدولة التي تتصور أنها تستطيع خنق الاقتصاد العالمي بإغلاق مضيق، أو إخضاع جوارها بالصواريخ، أو حماية نفسها بشبكة ميليشيات موزعة على خرائط المنطقة، لا تعاني نقصاً في المعلومات بقدر ما تعاني خللاً في تفسيرها.
فالجغرافيا لا تصبح نفوذاً بمجرد رسم الأسهم عليها، والميليشيات لا تتحول إلى جيوش منتصرة لمجرد أنها ترفع الشعار نفسه، ومخازن الصواريخ لا تمنح صاحبها سيطرة على السماء، ولا تحمي القيادة، ولا تمنع الاختراق الاستخباراتي، ولا تعوض اقتصاداً منهكاً أو بنية دفاعية قابلة للتعطيل.
لكن الخطاب الإيراني تعامل مع كل أداة يمتلكها النظام باعتبارها دليلاً على تفوق شامل.. وهنا تحولت المشكلة من الدعاية إلى العقيدة.
حين يقتنع النظام بأن خصومه لا يجرؤون على ضربه، فإنه يبدأ باتخاذ قرارات لا يتخذها من يعرف حدود قدرته.. وحين يكرر على جمهوره لسنوات أن المواجهة ستؤدي إلى انهيار خصومه، يصبح التراجع مكلفاً داخلياً، حتى عندما يصبح ضرورياً خارجياً.. ولهذا تبدو طهران أسيرة لروايتها بقدر ما هي أسيرة لخصومها.
لقد بنت لنفسها صورة دولة تحاصر الآخرين، ثم وجدت نفسها مضطرة إلى حماية منشآتها وقياداتها. تحدثت عن نقل الحرب إلى أراضي خصومها، فإذا بالسؤال الأكثر إلحاحاً هو قدرتها على منع الحرب من الوصول إلى قلبها. لوحت بإغلاق الممرات البحرية، لكن التهديد بشل التجارة العالمية لا يصنع نصراً؛ بل قد يصنع إجماعاً أوسع ضد من يطلقه.
أما الحديث المستمر عن "الصمود" فهو أكثر التعبيرات دلالة على تقلص الطموح.. حين تبدأ دولة خطابها بالحديث عن الهيمنة وتنتهي بتعريف الانتصار على أنه مجرد عدم السقوط، فإن المسافة بين البداية والنهاية تشرح كل شيء.. هذا ليس تحوّلاً لغوياً بسيطاً، بل اعتراف غير مباشر بأن سقف التوقعات انهار.
ولعل أكثر ما يثير القلق في الحالة الإيرانية أن الأنظمة المؤدلجة نادراً ما تعترف بسهولة أن عقيدتها أخفقت.. فهي لا تعيد النظر في الفكرة أولاً، بل تعيد تعريف النتيجة. الهزيمة تصبح "مرحلة"، خسارة الأدوات تصبح "تضحية"، الانكفاء يصبح "إعادة تموضع"، والبقاء وحده يتحول إلى "نصر تاريخي".
وهكذا تستطيع القيادة أن تخسر الوقائع وتحافظ على الرواية.. لكن العالم لا يُدار بالروايات إلى ما لا نهاية.
لا يمكن تعويض الفجوة العسكرية بالشعارات، ولا ترميم الاختراقات بالخطب، ولا تحويل التهديد المستمر للجيران إلى مكانة، ولا جعل الاقتصاد الضعيف قاعدة لمشروع توسع دائم.. ولذلك فإن أخطر ما قد تفعله القيادة الإيرانية اليوم هو أن تواصل التصرف كأن المشكلة في أن خصومها لم يفهموا قوتها بعد.
المشكلة الحقيقية هي العكس تماماً.. لقد فهم خصومها حدودها، وربما قبل أن تفهمها هي.
واللحظة الأكثر خطورة على أي نظام ليست حين يخشاه الآخرون أقل، بل حين يكتشف متأخراً أن الصورة التي أرعب بها المنطقة سنوات طويلة لم تعد ترعب أحداً، وأن المطرقة التي ظن أنه يمسك بها لم تكن كبيرة كما تخيل، وأن العالم من حوله لم يكن مجموعة مسامير تنتظر الضربة.
في السياسة، يمكن للدولة أن تتعايش طويلاً مع اقتصاد ضعيف، ومع خصوم كثر، وحتى مع عزلة ثقيلة، لكنها لا تستطيع أن تتعايش إلى الأبد مع قراءة خاطئة لنفسها.. وإذا لم تخرج طهران من وهمها، فلن تحتاج إلى عدو يهزمها.. سيكفي أن تستمر في تصديق نفسها!

