اعتدنا طويلًا أن نقيس قوة الدول بعدد الطائرات والدبابات والصواريخ، وأن نربط النفوذ بالقدرة على خوض الحروب والانتصار فيها؛ لكن العالم تغيّر كثيرًا، وتغيّرت معه معايير القوة، حتى أصبح من الممكن لدولة أن تحقق ما تريده دون أن تطلق رصاصة واحدة.
في الماضي كانت الجيوش تتقدم لتفرض النفوذ، أما اليوم فهناك أدوات أخرى أكثر تأثيرًا وأقل تكلفة.. الاستثمار، والاقتصاد، والتقنيّة، والثقافة، والإعلام، كلها أصبحت جزءًا من معادلة القوة الحديثة؛ بل حققت بعض الدول من خلال هذه الأدوات ما عجزت عن تحقيقه عبر المواجهة المباشرة.. ويكفي أن نتأمل حجم التنافس الإقليمي على جذب الاستثمارات العالمية، واستقطاب الشركات الكبرى، واستضافة الفعاليات الدولية، لندرك أن النفوذ يكمن في الاقتصاد والتنمية وصناعة الفرص؛ ولهذا لم يعد مستغربًا أن تتنافس الدول على استضافة معرض عالمي أو بطولة رياضية كبرى أو مقر شركة دولية، بالقدر نفسه الذي كانت تتنافس فيه سابقًا على توسيع نفوذها السياسي.
ولعل ما نشهده في منطقتنا يقدم نموذجًا واضحًا لهذا التحول؛ فبينما انشغل البعض بالصراعات، اختارت دول أخرى أن تستثمر في الاستقرار، وأن تجعل من التنمية مشروعها الأكبر، حتى بدا واضحًا أن هذا الخيار لم يكن أقل تأثيرًا من غيره، وكان أكثر استدامة وأقرب إلى تحقيق المصالح الوطنية، فالحروب قد تفرض واقعًا مؤقتًا، لكنها نادرًا ما تصنع مستقبلًا مزدهرًا، أما التنمية فتخلق مصالح مشتركة وتجذب الاستثمارات وتمنح الدولة حضورًا يتجاوز حدودها الجغرافية، فالنفوذ الحقيقي يرتبط بالثقة والاستقرار والقدرة على بناء الشراكات، والدول التي تتحول إلى وجهة للاستثمار والسياحة والأعمال والتعليم تكتسب نفوذًا يصعب انتزاعه أو مواجهته.
وليس المقصود هنا التقليل من أهمية القوة العسكرية، فالدفاع عن الأوطان سيبقى ضرورة لا غنى عنها؛ لكن الفارق أن القوة العسكرية أصبحت جزءًا من منظومة أكبر، وليست المنظومة كلها، فالدولة الناجحة اليوم هي التي تمتلك جيشًا يحمي منجزاتها، لا جيشًا يستنزف مواردها.
وربما لهذا السبب نجد أن الدول الأكثر حضورًا في المشهد هي تلك التي تنجح في صناعة الفرص، وجذب الشركاء، وتحويل الاستقرار إلى مصدر قوة، ولعل اللافت أن كثيرًا من الدول التي تتصدر المشهد الاقتصادي والاستثماري اليوم لا تُعرف بكثرة حروبها، بل بقدرتها على توفير بيئة مستقرة تجذب المال والعقول والفرص، فالعالم يتغير، ومعه تتغير أدوات النفوذ، أما الدول التي لم تستوعب ذلك فستبقى مشغولة بمعارك الأمس، بينما تُرسم خرائط المستقبل في مكان آخر.

