حسن اليمني
في ظل سلسلة التطورات العسكرية والسياسية المتقلبة في المنطقة، تبدو الصورة العامة أقرب إلى حالة «إدارة صراع طويل» أكثر من كونها اتجاهاً واضحاً نحو سلام مستقر أو حرب شاملة، فعناوين الأحداث تشير إلى تداخل معقد بين مواجهة عسكرية ومفاوضات سياسية، ومن خلف ذلك تظهر ملامح إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية.
من جهة، تواصل الولايات المتحدة الأمريكية الحديث عن أهداف إستراتيجية متباينة منذ حرب الاثني عشر يوم وبعد حرب الخمسة وأربعين يوما وإلى حد الساعة، فقد كان الحديث عن الصناعة النووية الإيرانية ثم أدخل عليها صناعة الصواريخ البالستية ثم أضيف إسقاط النظام الإيراني، ثم عاد ليبحث عن اتفاق لوقف إطلاق النار واتسع ليصل إلى إنهاء الحرب ثم عاد لاشتراط الاتفاق بتطبيع عربي مع الكيان المحتل، التجارب التاريخية تشير إلى إن اتساع سقف الأهداف يجعل الحسم العسكري أكثر صعوبة، ويدفع بالأطراف إلى مسارات تفاوض متقطعة، وهو ذاته حين تكون الغايات أو الأهداف غير ثابتة.
وفي المقابل، يظهر تباين في المواقف بين حلفاء لأمريكا إلى حد التناقض، فالكيان المحتل يرغب في استمرار الصراع إلى ما لا نهاية، في حين أن دولا خليجية حليفة لأمريكا تريد إنهاء الحرب فورا، الرئيس الأمريكي يأخذ تارة بهذا وتارة بذاك، إلى أن وصل إلى «الإبراهيمية» والتطبيع، هذا التباين يجعل مسار التهدئة هشاً وقابلاً للاهتزاز في أي لحظة.
في المحصلة، لا يبدو أن المنطقة تتجه نحو حسم سريع، سواء باتجاه الحرب أو السلام، بل إلى مرحلة طويلة من التوازنات المتحركة وإدارة الأزمات. وهي مرحلة تتسم بتعدد اللاعبين، وتداخل الساحات، وصعوبة الوصول إلى تسوية نهائية تعالج جذور الصراع، وإن ظلت احتمالات التصعيد قائمة، فإن كلفة الحرب الشاملة تبدو رادعاً أساسياً يمنع الانزلاق الكامل نحو مواجهة مفتوحة، ما يجعل السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار «الاستقرار غير المستقر» كعنوان للمرحلة المقبلة.
إن لهذا الاستقرار غير المستقر أثار كبيرة على الوضع الاقتصادي والتنموي ليس على دول المنطقة وحسب بل وعلى المستوى العالمي، فاذا كان للدول المصدرة للطاقة (نفط وغاز) مكاسب في ارتفاع الأسعار فإن دول مستوردة في أوروبا وآسيا ستجد نفسها أمام ضغوط تضخمية متزايدة، أضف إلى ذلك فإن استمرار التوتر يخلق ما يمكن وصفه «علاوة المخاطر الجيوسياسية» حيث تبقى المخاوف من استهداف الممرات البحرية أو البنية التحتية للطاقة مؤشر قلق يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن ما ينعكس على التجارة الدولية وسلاسل الامداد العالمية.
سياسياً، يظل العامل الأمريكي محورياً في رسم اتجاهات المرحلة، سواء من خلال إدارة المفاوضات مع أطراف إقليمية، أو عبر التأثير في سلوك الحلفاء. إلا أن القرار الأمريكي لا تحكمه القدرة وحدها، بل مجموعة من الاعتبارات الداخلية والتحالفات الإقليمية وتوازنات الردع، ما يجعل استخدام النفوذ بشكل كامل أمراً خاضعاً لحسابات دقيقة، وفي ضوء ذلك، يمكن فهم بعض التصريحات السياسية التي تبدو متشددة أو غير مهتمة بنتائج التفاوض، باعتبارها جزءاً من أدوات الضغط السياسي وليس بالضرورة مؤشراً على انسحاب كامل من الملفات الإقليمية، كما أن ربط قضايا الأمن الإقليمي بملفات سياسية أوسع، مثل التطبيع أو إعادة تشكيل التحالفات، يعكس اتجاهاً نحو دمج وخلط الملفات بدلاً من التعامل معها بشكل منفصل، هذا – على الأقل – في أحسن التفسيرات، والا فإنه أيضا يعطي بفهم آخر معنى مختلفا بعدم وجود غاية أو هدف أصيل للولايات المتحدة الأمريكية في هذه الحرب، أو يمكن القول إنها دُفعت دفعا بناء على معطيات ظهر أنها غير واقعية فارتبكت وأربكت العالم معها.
احتمال تصحيح جريء لمسار الأحداث من قبل الحكومة الأمريكية ربما يبدو بعيد لكن يمكن القول إن الانتظار الأصح يتجه نحو الداخل الأمريكي، وبين القوى المؤثرة مع بعضها لفرض الخيار الأصح، وأقصى مداه فترة الرئاسة للرئيس الأمريكي الحالي، واحتمال إنهائها قبل أوانها أمر وارد في حال استمرت الحكومة الحالية في عدم وضوح موقفها إزاء اهداف وغايات الحرب الجارية ضد إيران، سيبقى الكيان المحتل متمسكا بإطالة أمد الحرب ومحاولة توسيعها، وستبقى دول الخليج العربي متمسكة برفض الحرب وتوسعها، وربما تدرك الإدارة الأمريكية في وقت ما أنها أقدمت على خطوة لم تكن صائبة.
وفي الجانب الإيراني فإن نشوة النجاة من الهزيمة قد يحجب عنها رؤية الواقع الجيوسياسي وعمق الرؤية العربية الخليجية لهذا الواقع المعقد، فخيار الحلول السلمية والسعي لتسهيل عمل التفاوض للوصول إلى اتفاق لا يعني انحياز لصف إيران وإنما لتجنيب المنطقة من آثار السياسات الإيرانية الخاطئة، وهنا يفترض من إيران استيعاب الدروس والاستعداد لعلاقات صحية بناءة مع دول الخليج العربي لدعم وإسناد حماية أمن واستقرار المنطقة للوصول إلى الانتصار الحقيقي على عوامل الهدم ونشر الفوضى الذي يسعى اليه الكيان المحتل، إفشال هذا المسعى هو الانتصار الحقيقي لإيران، ولن يكون الا بتثمين مواقف الدول الخليجية، التي تعرضت إلى كثير من الأذى الإيراني كان ضبط النفس تجاهه قوة وليس ضعفا، إذا أدركت إيران ذلك فقد تنجو من الهزيمة، أما الاحتفال بنصر اتفاق تمليه الضرورة خارج هذا الفهم فهو مسار لاستقرار غير مستقر لن يعجز الكيان المحتل من إعادة اشعاله، فهذه هي وظيفة الكيان المحتل في المنطقة.

