في كتاب «بين القوة والجنة: أميركا وأوروبا في النظام العالمي الجديد» الصادر عام 2003 يستنتج مؤلفُه روبرت كيغان، مستشارُ الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلنتون، أنَّ أوروبا لديها «فوبيا الحروب»، وتعد الدبلوماسية، والمفاوضات، والمحفزات الاقتصادية، أفضل حل للخلافات والأزمات. هذه الرؤية الوردية تألقت في التسعينات ومع بداية الالفية، لكنَّها تعيشُ اليومَ امتحاناً عسيراً مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورؤيته الهوبسية (شريعة الأقوى)، وعزم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على استرجاع أوكرانيا، وسعي الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى استعادة تايوان. والسبب في قدرة أوروبا، كما يقول كيغان، على العيش بسلام وأمان أنَّ أميركا وفَّرت لها الحماية من التهديدات الخارجية، ولما هدَّدت أميركا -على لسان ترمب- بسحب الحماية، أدركت اوروبا أنَّ العالم ليس وردياً، ومن لا يملك القوة سيصبح تابعاً ومهدَّداً. ومثَّلت اوكرانيا صدمة عميقة لقادة أوروبا، اجبرتهم على مراجعة صادقة لموقعهم في العالم، وعلاقاتهم بحليفهم الأميركي، وبالذات مع روسيا والصين والهند. واستطاعت أوروبا، رغم تعثرها، لمّ شملها، ورفض ضم روسيا لأوكرانيا، وتعاملت بعقلانية مع تهديدات ترمب، واستجمعت قواها لتحوِّل أوكرانيا إلى قوة عسكرية أوقفت زحف القوات الروسية. وخلال سنيِّ الحرب الأوكرانية أكدت أوروبا لمن يهمه الأمر: أمن أوكرانيا هو أمن أوروبا.
وبدخول الحرب الأوكرانية عامها الخامس، وتعاظم قوة أوكرانيا عديداً وتسليحاً، بدأت أوروبا تتلمس سبل إنهاء هذه الحرب المدمِّرة، فكانت البداية من باريس بإرسال ماكرون، في فبراير (شباط) الماضي، مستشاره إيمانويل بون إلى موسكو، لبحث سبل إعادة التواصل بين أوروبا والرئيس بوتين، وإمكانية إنهاء الحرب. وفي الخامس من يونيو (حزيران) الحالي أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن أوروبا مستعدة لإقامة حوار مع روسيا حول قضايا تمثل قلقاً مشتركاً مثل سياسة الجوار، وسياسات امنية، وحماية مصالح أوكرانيا. وقبل ذلك كان الرئيس بوتين قد صرح بأنَّه لا يرفض الحوار مع دول أوروبية، وأنَّه منفتح على أي وسيط أو مفاوض، ثم كانت رسالة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي التي دعا فيها الرئيس بوتين إلى الاجتماع به بهدف إنهاء الحرب. كل هذه المبادرات تؤشر إلى قناعة الجميع بأنَّ الحرب وصلت إلى طريق مسدود، وأنَّ الحوار قد يكون مخرجاً، شرط إيجاد صيغة تحفظ ماء وجه الرئيس بوتين، ومصالحه، وتضمن استقلال أوكرانيا، ومصالح أوروبا. والسؤال: هل توجد صيغة تحقق السلام المنشود؟!
يبدو أنَّ ثمة تطورات تدفع باتجاه السلام منها أنَّ أوروبا تريد أن تكون مشاركاً حقيقياً فيه وليست تابعاً للرئيس ترمب، وتخشى فرض تسوية روسية - أميركية عليها. وتدرك أنَّ تصرف ترمب، وتهديده بالتخلي عنها، أجبرها على بدء بناء قواتها الدفاعية الذاتية، وكذلك الإصرار على علاقات مميزة مع أميركا لتيقنها أن الاستقلال الاستراتيجي غير ممكن حالياً، ويتطلب وقتاً طويلاً، ومخصصات مالية هائلة، وتكاملاً أكبر بين دول الاتحاد الأوروبي ومعها بريطانيا؛ فالاستقلال الاستراتيجي سيجعل أوروبا لاعباً دولياً ليس ككتلة اقتصادية بل ككتلة عسكرية وازنة. وفي المقابل تُوجد للرئيس بوتين مصلحة في وقف القتال بعدما تبينت صعوبة احتلال أوكرانيا، وبدء الانحسار في اقتصاده، والتململ الشعبي؛ وما يطلبه بوتين في أقل الاحتمالات هي تعهدات بعدم انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وقيود على نشر قوات معادية على حدوده، والاعتراف بالواقع الذي أفرزته الحرب، علاوة على رفع العقوبات الدولية، وتطبيع العلاقات مع أوروبا؛ ولا شك أن أي تسوية للنزاع الأوكراني ستخدم الرئيس ترمب لأنه سيجيّرها لنفسه، ويحقق الاستقرار في أوروبا ثم يتفرغ للتهديد الصيني الأكبر في شرق آسيا.
هذه التصورات مهمة إنما يلزمها للتحقق: إجماع أوروبي، وشجاعة روسية. أوروبا حتى الآن منقسمة إزاء الحوار مع روسيا، بين دول منفتحة مثل فرنسا وإيطاليا، ودول في الوسط مثل ألمانيا التي لا تمانع لكنها تشكك في موقف بوتين، ودول متشددة مثل بريطانيا وبولندا وليتوانيا تريد أن ترى تغيراً حقيقياً في الموقف الروسي. هذه الدول الأوروبية رغم تناقضها فإنها في الجوهر لا تعارض الحوار، وتدرك أنه الخيار الأسلم. أما الشجاعة الروسية فمفتاحها بيد بوتين الذي يدرك أن الحرب ستجعله تابعاً للصين، وستعوق التنمية، وستزعج النخب الروسية الأكثر انجذاباً إلى أوروبا؛ ولا شك أن بوتين بعقله الاستراتيجي، وهوسه بمحاكاة قياصرة روسيا، سيدرك أن منافع إنهاء الحرب أكثر من استمرارها، ولكيلا تهتز صورته كقيصر، على أوروبا تقديم تنازلات تمكِّنه من تقمص شخصية القيصر بطرس الأكبر المتقارب مع أوروبا وليس القيصر نيكولاس الأول الكاره لديمقراطية أوروبا وليبراليتها.
إنَّ انتهاء الحرب الأوكرانية يمثل فرصة ثمينة لعودة أوروبا إلى موازين القوى، وكذلك انقاذاً لروسيا من ويلات الحرب، وربما عودتها إلى الحضن الأوروبي، وترسيخ عالم جديد أكثر توازناً، وسلاماً، وإلا فإنَّ استمرارها سيكون كارثة على روسيا، وعبئاً مؤلماً على أوروبا، وخسارة كبرى لأميركا، وفوزاً مبيناً للصين.

