«اليَمْنَنَة: الأزمة اليمنية» بتفاصيلها المعقدة والمتشابكة لم تنتهِ بعد، لكنها ستنتهي حتماً، ما لم يُضيِّع فرصَ إنهائها من يزايد بمعاناة اليمنيين من دون أن يعنيه تحقيق السلام.
ولوطأة المعاناة وفرط المزايدة بها، يتعجل الناس النهاية. لهم كل الحق في التعجل؛ لكنّ للظروف أحكاماً تفرض مراعاة مجريات الصراع المحلي، ومدى ارتباطه بتأثيرات إقليمية، وأبعاد دولية، إلى أن ظهر «قيحٌ» يحاول تعكير «البحر الأحمر».
وبُغية منع تمدد آثار هذا «القيح»، يتابع العالم المواجهات بين القوات المسلحة والميليشيا الحوثية غرب اليمن، وبعض مناطق أخرى، حيث يتقاصف الطرفان، ويتبادلان المُسيّرة بالمُسيّرة، والصاروخ بالصاروخ. تصدرت هذه المواجهات ألوية المقاومة الوطنية بالقوات المسلحة في الساحل الغربي، وأعقبتها تعزيزات بقية القوات الفاعلة بتوجيه من مجلس القيادة الرئاسي.
هذه المواجهات تجددت بعد هدنةٍ دامت أربع سنين من أبريل (نيسان) 2022 حتى أغسطس (آب) 2026، تخللتها خروقات الميليشيات، وتعطيل المصالح العامة في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، فضلاً عما تفرضه من إجراءات جائرة ضد المواطنين في مناطق سيطرتهم غير الشرعية.
ما كان لعاقلٍ أن يرجو اشتعال النزاع المسلح من جديد، وعودة الحديث عن ضحايا يمنيين هنا وهناك؛ لكن هذا ديدن من لا يريد استقرار البلاد.
ومثلما فرضت الظروفُ في الأمسِ على السلطات اليمنية التأني، فإنها اليوم تقتضي أداء واجب الردع... فمن لم يرضَ بالسلم يرضى بغيره.
كم توسل العقلاء السبل المثلى لإنهاء «اليَمْنَنَة»؛ ومُدَّت يد السلام إلى الحوثيين مباشرة وعبر الوسطاء غير مرة، ووُضعت خريطة الطريق الأممية التي بللتها الميليشيا بمياه البحر الأحمر نهاية 2023؛ لكن السلام شاقٌّ على ميليشيا ألِفت الحرب، والتصعيد، أكان عن قصدٍ من داخل القفار، أم بتوجيه من وراء البحار.
ورغم التصعيد الأخير، والجاهزية المُعلَنة في «الضفة الشرعية»، فإن يد السلام ممدودةٌ، وباب المصالحة يبقى موارباً لمن يريد إنهاء معاناة اليمنيين، ولا يأنف الانضواء تحت ظل دولةٍ ترعى جميع المواطنين.
مَن «يحكي انتفاخاً صولة الأسدِ»، وينكر وجود الآخرين، ويزدري حق المواطنين في الحياة الحرة الكريمة، عليه ألا يظن أن الباطل مستمر إلى الأبد، أو أن طاقة الاحتمال لا تنفد.
صحيحٌ أن: «واحتمال الأذى ورؤية جانيه... غذاءٌ تَضوي بها الأجسامُ».
لكن العزائمَ تَقوى على إنهاء الأذى الذي يتجاوز الحدود... لأن للأذى عواقب، وللباطل جولة، والحسم له أوان. والشاهد أراضي وجبال غرب تعز، وجنوب الحديدة، وما حققت وتحقق وستحقق ألوية وقوات المقاومة الوطنية، والتهامية، ودرع الوطن، والعمالقة التابعة للقوات المسلحة اليمنية من تقدم يحبط تسلل الميليشيا. إذ لم يعد هناك «خط أحمر» يتم تجاوزه، بل «بحر أحمر» يفرض حمايته يمنياً أولاً. ولأن لكل ميدانٍ أهله: «وللحروب رجالٌ يُعرَفون بها... وللدواوين حُسّابٌ وكُتّابُ».
ترى أيضاً أن للبناء والإعمار وإرساء أسس السلام_لليمن نساءً ورجالاً يسعون في سبيله، وينشطون في مشاريعهم، وبرامجهم، ومؤسساتهم، ودوائرهم الحكومية، وغير الحكومية، ويجابهون غواية الأزمات، وضلال الحروب.
لئن حاولت الميليشيا تضييع اليمن، وإقحامه في حرب لا ناقة له فيها، ولا علاقة، وإحراق جسور الصداقة مع من يفيد كل اليمنيين، فثمة من يحفظ اليمن، ويعينه، ويأخذ بيده، ويسعى في إنهاء «اليَمْنَنَة» فاعلاً غير منفعل، وغير متواكل، ولا يُضيع الله أجر من يحفظ اليمن، وينهي ألمه، ومعاناته.

