لم يكن تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في الرابع من سبتمبر (أيلول) 2026، على قرار «تصحيح الخريطة» نقاشاً تقنياً في علم المساحة. كان، في جوهره، تصويتاً على الطريقة التي يرى بها العالم نفسه، وعلى صورة ترسّخت في الوعي الجمعي حتى بدت حقيقة نهائية لا تحتاج إلى مراجعة.
أيدت 164 دولة القرار الذي تقدمت به التوغو باسم المجموعة الأفريقية، وسانده الاتحاد الأفريقي، وشجّع على الانتقال التدريجي من إسقاط ميركاتور إلى إسقاطات أكثر وفاءً للمساحات الحقيقية، وفي مقدمتها إسقاط «الأرض المتساوية». عارضت الولايات المتحدة وحدها، وامتنعت ست دول عن التصويت: إستونيا وجورجيا وليتوانيا ومولدوفا وصربيا وأوكرانيا.
لا يمنح القرار أفريقيا حجماً جديداً، وإنما يعيد إليها حجماً أخفته أداة رسم شائعة. تبلغ مساحة القارة نحو 30.3 مليون كيلومتر مربع، أي قرابة خُمس اليابسة في العالم، ولا يسبقها في الاتساع سوى آسيا. أما غرينلاند فمساحتها نحو 2.17 مليون كيلومتر مربع. ومع ذلك، يرى الناظر إلى خريطة ميركاتور الجزيرة القطبية قريبة من أفريقيا في الحجم، بينما تتسع القارة في الواقع لنحو أربعة عشر ضعفاً من مساحة غرينلاند.
المقارنة لا تقف عند هذا المثال المدرسي. أفريقيا أكبر من روسيا بما يقارب الضعف، وأكبر من أوروبا بنحو ثلاثة أضعاف، وأوسع من أميركا الشمالية، وفي داخل حدودها يمكن أن تستوعب الولايات المتحدة والصين والهند واليابان والمكسيك وجزءاً كبيراً من أوروبا، ويبقى فيها متسع.
هذا التشويه ليس تفصيلاً جمالياً. مع تكرار الصورة نفسها في المدارس والنشرات الإخبارية والمكاتب والمنصات الرقمية، تتحول المبالغة الهندسية إلى حقيقة نفسية. يبدو الشمال أضخم مما هو، وتنكمش أفريقيا وأميركا الجنوبية ومناطق واسعة من آسيا بصرياً.
غير أن الإنصاف العلمي يقتضي الفصل بين أصل الأداة وسوء استعمالها. لم يصمم جيراردوس ميركاتور خريطته عام 1569 لتوزيع الوزن السياسي بين القارات، بل لخدمة الملاحة البحرية. الإسقاط محافظ على الزوايا والاتجاهات، ولذلك بقي مفيداً للبحارة، ثم صار مريحاً لشبكات الخرائط الرقمية لأنها تقوم على شبكة إحداثيات منتظمة. المشكلة ليست في الابتكار، بل في تحويل أداة صُممت لغرض محدد إلى صورة مهيمنة للعالم في المجالات التي تكون فيها مقارنة المساحات أهم من رسم مسار سفينة.
كل خريطة مسطحة تنطوي بالضرورة على تشويه. الكرة لا تُبسط على ورقة من دون التضحية بدقة المساحة أو الشكل أو المسافة أو الاتجاه. من هنا، لا تكمن قوة القرار الأممي في استبدال خريطة كاملة بـ«خريطة خاطئة»، إذ لا توجد خريطة مسطحة كاملة، بل في إقرار مبدأ بسيط طالما تجاهلته العادة: اختيار الإسقاط الأنسب لكل غرض. إسقاط «الأرض المتساوية»، الذي وضعه عام 2018 بويان شافريتش وتوم باترسون وبرنهارد جيني، يحافظ على النسب الحقيقية لمساحات القارات مع شكل أقرب إلى المألوف من إسقاطات المساحة المتساوية الأقدم، ولذلك يصلح للتعليم والإعلام وعرض البيانات العالمية أكثر مما يصلح ميركاتور. أما الملاحة الجوية والبحرية، فيمكن أن تواصل استخدام الإسقاطات الملائمة لوظيفتها، وهو ما نص عليه القرار صراحة.
الخرائط ليست مرايا محايدة. اختيار المركز، ووضع الشمال في الأعلى، وتكبير منطقة على حساب أخرى، قرارات تؤثر في المخيلة. الطفل الذي يرى أفريقيا أصغر مما هي عليه لا يتلقى معلومة جغرافية فحسب، بل يتشرب، من دون وعي، ترتيباً رمزياً للعالم: قارات تبدو مركزية وضخمة، وأخرى تبدو هامشية ومحدودة.
دراسات الجغرافيا النقدية، منذ أعمال ج. ب. هارلي، بيّنت أن الخريطة ليست وصفاً بريئاً للمكان، بل نظام تمثيل ينتج معنى سياسياً. ولا يصح الادعاء بأن إسقاط ميركاتور هو الذي صنع الاستعمار أو التخلف أو اختلال موازين القوة. لكن من السذاجة أيضاً إنكار أن الصور المتكررة تسهم في تثبيت التصورات التي تبرر تلك الاختلالات، وفي تصغير المشكلات التي تقع على أرض واسعة: من الأمن الغذائي إلى الهجرة والمناخ والبنية التحتية. من هذه الزاوية، يتجاوز تحرك توغو والاتحاد الأفريقي رسم الحدود. القارة التي طالما جرى تعريفها وقياسها من خارجها انتقلت من موقع الاعتراض إلى موقع اقتراح معيار عالمي.
الحملة لم تبدأ في نيويورك. أطلقتها منظمتان أفريقيتان «أفريقيا نو فلتر» و«سبيك أب أفريقيا»، تحت عنوان «صححوا الخريطة»، ثم تبناها الاتحاد الأفريقي في صيف 2025، وأقرّتها قمة رؤساء الدول في دورتها التاسعة والثلاثين مطلع 2026، قبل أن ترفعها توغو إلى الجمعية العامة. ربط الاتحاد المبادرة بموضوع عام 2025: «العدالة للأفارقة ولذوي الأصول الأفريقية عبر جبر الضرر»، أي إنه وضع التصحيح البصري داخل معركة أوسع على السردية والتمثيل. التأييد الكاسح في الأمم المتحدة يؤكد أن المطلب ليس خصومة عاطفية مع أوروبا، بل قضية علمية وتربوية يمكن أن يتوافق عليها معظم المجتمع الدولي. وقوف فرنسا وبريطانيا ومعظم أوروبا إلى جانب النص دليل على ذلك.
أما الموقف الأميركي فيستحق قراءة مستقلة. لم تجادل واشنطن في الأرقام. جادلت في الإطار. قالت المندوبة الأميركية إن القرار «يسخر من عمل المؤسسة»، وإنه لا ينفصل عن «مشروع آيديولوجي جذري» يربط الخرائط بجبر الضرر و«العدالة المعرفية»، وإن مثل هذه النصوص «قواقع» تثقل عمل المنظمة وتُضعف شرعيتها. هذا الاعتراض يكشف انقساماً أعمق: هل تصحيح التمثيل البصري عمل تقني محايد، أم جزء من إعادة توزيع الرمزية الدولية؟ الأغلبية اختارت الجواب الأول من دون أن تنكر البعد الرمزي. والامتناعات الستة، ومعظمها من شرق أوروبا، تذكّر بأن حتى الخريطة «العادلة» قد تُقرأ بعيون نزاعات أخرى، لا سيما حين تُصغَّر الكتل الشمالية بصرياً أو يُعاد رسم روسيا في إسقاط مختلف.
وهنا يجدر التذكير بأن الموضوع ظل هاجساً للرئيس السنغالي السابق ماكي صال، خصوصاً خلال رئاسته للاتحاد الأفريقي عام 2022، حين كان يكرر أن لأفريقيا حقاً في مقعد أوسع داخل المؤسسات التي تقرر مصير العالم. قال لي غير مرة، وهو يتأمل خريطة تصغّر القارة: «هذا لا يعقل». كان يرى أن أفريقيا، بمساحتها وثقلها البشري ومواردها، لا يجوز أن تبقى أسيرة صورة تنتقص من مكانتها. لم أكن أتصور يومها أن تجعل الجمعية العامة هذا الأمر جزءاً من اهتمامها، ثم تتخذ بشأنه قراراً بهذه الأغلبية.
القرار يلتقي مع المعركة التي حملها صال: وضع أفريقيا في قلب الحسابات الدولية، لا على هامش الخريطة ولا على هامش القرار.
غير أن الانتصار الرمزي لا يجوز أن يتحول إلى احتفال مكتفٍ بنفسه. القرار غير ملزم، وقيمته ستتحدد بما يليه. الكتب المدرسية والأطالس ما زالت تعيد إنتاج ميركاتور. كثير من نشرات الأخبار والتقارير الدولية يرسم العالم بالمنطق نفسه. منصات رقمية كبرى أبقت الإسقاط قديماً في الواجهة الأسهل، حتى حين انتقلت بعض واجهاتها المكتبية إلى الكرة ثلاثية الأبعاد. البنك الدولي بدأ منذ سنوات استخدام إسقاطات المساحة المتساوية في الخرائط الثابتة، وهذا مؤشر على أن التحول ممكن حين تتغير مواصفات الطلب لا الشعارات وحدها.
على وزارات التربية الأفريقية أن تراجع المناهج، لا بوصف التصحيح درساً في الكرامة فحسب، بل درساً في منهج العلم: لكل خريطة غرض وحدود. وعلى المؤسسات الإعلامية الأفريقية أن تكون في مقدمة التحول، لا أن تنتظر دور النشر والشركات العالمية كي تعيد إليها صورتها الصحيحة.
الأهم أن «تصحيح الخريطة» يجب أن يكون مدخلاً لسيادة معرفية أوسع. القارة لا تحتاج فقط إلى أن تظهر بمساحتها الحقيقية، بل إلى امتلاك أدوات إنتاج الصورة: الأقمار الاصطناعية، والمسح الأرضي، والخرائط الرقمية عالية الدقة، وبيانات المناخ والزراعة والمدن والموارد والمخاطر. المفارقة التحليلية أوضح من أي شعار. أفريقيا تحمل اليوم نحو خُمس سكان العالم، وغالبيتهم في سن العمل المقبلة، غير أن حصتها من الناتج العالمي ما زالت تدور حول ثلاثة في المائة. الخريطة العادلة تزيل وهماً بصرياً، لكنها لا تغلق هذه الفجوة. امتلاك الصورة من دون امتلاك بيانات الإنتاج والتبادل والتمويل يظل إنجازاً ناقصاً.
لم يتغير حجم أفريقيا بعد التصويت. الذي تغير هو استعداد معظم العالم للاعتراف بأن الصورة القديمة لم تكن مناسبة لكل الاستخدامات. القارة ليست بحاجة إلى مبالغة مضادة. حقيقتها الجغرافية تكفي: ثانية القارات مساحةً، وثانية السكان، ومخزن هائل للمعادن والطاقة المتجددة والأراضي الزراعية، ومسرح مبكر لأزمة المناخ.
الخريطة العادلة لن تنهي الحروب أو الفقر أو الديون. لكنها تزيل درساً بصرياً مضللاً ظل معلقاً على جدران المدارس طويلاً، وتعيد طرح سؤال أدق: إذا كانت القارة بهذا الاتساع، فلماذا بقيت أصغر من حجمها في السياسة والاقتصاد والمعرفة؟ أحياناً يبدأ تصحيح موقع قارة في العالم بتصحيح الطريقة التي تُرى بها. أما استكمال التصحيح فيبدأ حين تنتج أفريقيا خرائطها وبياناتها ومعاييرها، لا حين تكتفي بأن يراها الآخرون أكبر قليلاً على الورق.

