: آخر تحديث

حين يتغير معنى العمل

0
0
0

كلما أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة على القيام بما نفعله اليوم، لن تكون قيمة الإنسان في منافسة الآلة على التنفيذ، وإنما في الانتقال إلى ما هو أعلى منه. اختيار ما يستحق أن يُنجز، وتوجيه العمل، وفهم السياق، واتخاذ القرار وتحمل مسؤوليته. لوقت طويل، كانت التقنية امتداداً لقدرات الإنسان. تساعده على أن يعمل أسرع وينجز أكثر، بينما بقي الانسان في قلب المعادلة. اليوم تتغير هذه المعادلة مع تطور وكلاء الذكاء الاصطناعي تنتقل الآلة من تقديم الإجابة إلى تنفيذ سلسلة من المهام لتحقيق هدف محدد.

وسط هذا التحول، من المهم عدم المبالغة في تصوير المستقبل باعتباره عالماً تختفي فيه الوظائف البشرية. تشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن نحو وظيفة من كل أربع وظائف عالمياً لديها درجة من التعرض المحتمل للذكاء الاصطناعي التوليدي، لكنها ترى أن تحول الوظائف أكثر ترجيحاً من اختفائها بالكامل. وهذا فارق مهم، لأن التحدي الحقيقي قد لا يكون اختفاء الإنسان من سوق العمل، وإنما تغير المكان الذي يصنع فيه القيمة.

يمكن رؤية هذا التحول في مهمة بسيطة تتكرر يومياً في كثير من المؤسسات. فالموظف الذي يقضي ساعات في جمع المعلومات وإعداد تقرير قد يجد آلة تنجز جانباً كبيراً من ذلك في دقائق. عندها لن تكون قيمته في إعادة أداء ما أنجزته الآلة، وإنما في الإجابة عن أسئلة أكثر أهمية: ماذا تعني هذه المعلومات؟ ما القرار الذي ينبغي اتخاذه؟ ما المخاطر التي لم تظهر في الأرقام؟ وما الاتجاه الذي يجب أن نسلكه؟

هنا تنتقل قيمة الإنسان من مجرد تنفيذ العمل إلى توجيهه والحكم عليه وتحمل مسؤولية نتائجه. وهذا التحول يعني أن المستقبل سيحتاج إلى أشخاص يجمعون بين فهم الذكاء الاصطناعي والتفكير النقدي والاستراتيجي، واتخاذ القرار، والقيادة، وبناء الثقة والعلاقات.

وهنا تظهر مسؤولية جديدة أمام القادة. لا يكفي أن تشتري المنظمة أحدث أدوات الذكاء الاصطناعي أو تدرب موظفيها على استخدامها. السؤال الاستراتيجي الأهم هو: كيف نعيد تصميم العمل نفسه؟ ما المهام التي يجب التوقف عن أدائها يدوياً؟ ما الذي يمكن أن تتولاه الآلة تحت إشراف الإنسان؟ وما القدرات البشرية التي ينبغي أن نستثمر فيها اليوم لأنها ستكون أكثر قيمة غداً.

ختاماً، قد تكون الإجابة في الانتقال من التنفيذ إلى التوجيه، ومن جمع المعلومات إلى تفسيرها، ومن إنجاز المهمة إلى تحديد ما يستحق أن يُنجز. فالآلة قد تصبح أسرع منا في الوصول إلى الإجابة، لكن الإنسان يحتاج إلى أن يصبح أفضل في اختيار السؤال، وفهم السياق، وتحديد الاتجاه، وتحمل مسؤولية القرار. فالمستقبل لن يكون بالضرورة صراعاً بين الإنسان والآلة، بل قد يكون سباقاً بين إنسان بقي في المكان الذي وصلت إليه الآلة، وإنسان أدرك مبكراً إلى أين يجب أن ينتقل بعدها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد