إيلاف من الرباط: نالت رئيسة الحكومة المغربية، فاطمة الزهراء المنصوري، ثقة البرلمان عقب التصويت بالإيجاب على تصريحها الحكومي، الاثنين، والمتضمن لرؤيتها وبرنامجها الممتد للولاية التشريعية (2026–2031)، طبقاً لأحكام الفصل 88 من الدستور.
واستهلت رئيسة الحكومة عرض التصريح بالتأكيد على أنه يشكل تعاقداً سياسياً ومؤسساتياً "يستند إلى الثقة الملكية السامية بضرورة تعزيز مكانة المرأة المغربية والمصلحة العليا للوطن، وإلى الإرادة الشعبية التي أفرزتها انتخابات 23 سبتمبر الماضي". وتعهدت المنصوري بتنزيل برامج قابلة للتنفيذ قائمة على ربط المسؤولية بالنتائج الملموسة، ومواصلة مسار الإصلاح الذي يقوده الملك محمد السادس لتعزيز الاختيار الديمقراطي، واستقلال القضاء، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والمساواة والمناصفة بين الرجال والنساء، وتنزيل الجهوية المتقدمة. كما تراهن رئيسة الحكومة على الموقع الاستراتيجي للمملكة، وواجهتها الأطلسية، وعمقها الأفريقي، وقربها من الأسواق الأوروبية، واستقرارها المؤسساتي لتعزيز مكانتها كقوة اقتصادية صاعدة تجمع بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
الثوابت الجامعة والمرجعيات التنموية
شددت المنصوري على أن البرنامج الحكومي يرتكز على الثوابت الجامعة للأمة المغربية، وفي مقدمتها الدين الإسلامي السمح، والملكية الدستورية الديمقراطية البرلمانية والاجتماعية، والوحدة الوطنية والترابية، والاختيار الديمقراطي والتعدد الثقافي واللغوي.
وبخصوص المرجعيات التنموية، اعتمدت رئيسة الحكومة في تصريحها على التوجيهات الملكية لفتح دورة تنموية جديدة، ومخرجات النموذج التنموي الجديد وطموح "مغرب 2035"، فضلاً عن الاستناد إلى التقارب المرجعي والبرامجي لأحزاب الأغلبية المشكلة للائتلاف الحكومي.
وتأتي القضية الوطنية( قضية الصحراء) في مقدمة أولويات الحكومة الجديدة عبر مواصلة حشد الدعم لمبادرة الحكم الذاتي، خاصة بعد المحطة المفصلية لقرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، وتسريع تنمية الأقاليم الجنوبية كبوابة نحو أفريقيا. كما جددت رئيسة الحكومة الموقف الثابت للمملكة من القضية الفلسطينية والقدس الشريف، والتمسك بالحل السلمي القائم على خيار الدولتين، تحت قيادة ورعاية أمير المؤمنين رئيس لجنة القدس.
توطيد دولة الحق والقانون وتخليق الحياة العامة
يرتكز المحور الأول للبرنامج الحكومي على تعزيز الثقة في العمل العمومي والتفاعل الإيجابي مع مقترحات المعارضة والمشاركة المواطنة، مع إطلاق برنامج لتحديث العدالة وضمان الولوج العادل والآمن قانونياً وقضائياً، وترسيخ حقوق الإنسان ومحاربة العنف ضد النساء وضمان تمكينهن. كما يتضمن هذا المحور إحداث تحول نوعي في الجهوية المتقدمة عبر إعادة هندسة اختصاصات الجهة ورصد تحويلات مالية لا تقل عن 12 مليار درهم (ما يعادل نحو 1.23 مليار دولار) ابتداءً من سنة 2027، وتعميم عقود البرامج والانتقال الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري.
وفي شق محاربة الفساد والريع، تعهدت رئيسة الحكومة بتجريم الإثراء غير المشروع ومعاقبة تضارب المصالح تطبيقاً للفصل 36 من الدستور، وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات، وتجريم إفشاء المعلومات بغرض نيل الامتيازات. ويترافق ذلك مع إصلاح هيكلي لتنظيم الأسواق ومحاربة الاحتكار بالتنسيق مع مجلس المنافسة، وإلزام طلبات العروض العمومية قانونياً بتخصيص 30% من قيمة الصفقات للمقاولات الصغرى والمتوسطة المغربية.
الهوية الوطنية وترسيخ الدولة الاجتماعية
يسعى البرنامج الحكومي إلى صيانة الهوية والمواطنة من خلال حماية الأسرة وتفعيل مخرجات إصلاح مدونة الأسرة، وانتهاج سياسة مدمجة للطفولة والشباب والمسنين والأشخاص في وضعية إعاقة. كما يتعهد بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية بإحداث صندوق خاص برصد ملياري درهم (ما يعادل نحو 204.5 مليون دولار) وتشكيل لجنة وزارية دائمة للمتابعة والإدماج في التعليم والإعلام والإدارة، إلى جانب وضع سياسة مدمجة لمغاربة العالم تسهل مساهمتهم التنموية.
ولضمان العيش الكريم، ستعمل الحكومة، بحسب تصريح المنصوري، على ضبط الغلاء وتخفيض كلفة المعيشة عبر إنشاء منصات جهوية للتجميع والتسويق وإصلاح مسالك اللحوم والأسماك. كما أعلنت عن إقرار تعويض اجتماعي تلقائي يغطي فاتورة الكهرباء الشهرية للمنازل المستحقة التي لا تتجاوز 100 درهم (ما يعادل نحو 10.20 دولار) بدون وثائق أو تنقل إداري، والرفع التدريجي للدعم الاجتماعي ليبلغ من 500 درهم (نحو 51 دولاراً) إلى 1000 درهم (نحو 102 دولار) مع نهاية الولاية. وتشمل الإجراءات أيضاً إصلاح الضريبة على الدخل، وتأسيس حوار اجتماعي شامل، وإصلاح أنظمة التقاعد برفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3,000 درهم شهرياً (ما يعادل نحو 307 دولارات)، وتمكين الأرملة من معاش كامل بنسبة 100%، فضلاً عن إقرار تغطية صحية شاملة وإصلاح مصلحة المستعجلات.
التعليم والنهوض بالشباب والسكن
في قطاع التعليم، تهدف الحكومة إلى الرفع من نسبة التلاميذ المتحكمين في الكفايات الأساسية إلى 80% بحلول سنة 2031 عبر تعميم "مدرسة الريادة"، مع تحقيق هدف "صفر انقطاع عن الدراسة" بحلول 2030 عبر الرصد المبكر والتوجيه المهني. أما في شق السكن والتعمير، فسيتم إصدار قانون تعمير مرن بالوسط القروي، وتنزيل برنامج يستهدف تأهيل وبناء 100 ألف مسكن قروي بدعم مباشر قدره 40 ألف درهم للأسرة (ما يعادل نحو 4,090 دولاراً) ومواكبة تقنية مجانية.
وعلى صعيد التشغيل، تستهدف الحكومة 2.9 مليون شاب خارج التعليم والتكوين والعمل، حيث تطلق برنامجاً وطنيا ابتداءً من سنة 2027 يتيح تكوين 100 ألف شاب سنوياً وتمكين 100 ألف آخرين من أول تجربة مهنية. كما تهدف إلى رفع طاقة التكوين بالتدرج لتبلغ بين 150 ألفا و200 ألف مستفيد سنوياً، ومواكبة 60 ألف مقاولة شابة وتفعيل جواز الحركية المهنية وبرامج سكن الكراء بأسعار مناسبة.
السيادة الاستراتيجية وبناء الاقتصاد الوطني
تتضمن استراتيجية الحكومة في الأمن الطاقي رفع حصة الطاقات المتجددة إلى أزيد من 52% بحلول 2030، وتنزيل "عرض المغرب" للهيدروجين الأخضر وخارطة طريق البنية التحتية للغاز. وفي الأمن المائي، يتم تسريع محطات تحلية مياه البحر لتعبئة 1.8 مليار متر مكعب بحلول 2031، ومضاعفة السدود، وتحويل المياه بين الأحواض. أما في الأمن الغذائي والسيادة الشاملة، فستعمل على رفع توزيع البذور الوطنية إلى 50%، وإرساء آلية للأمن السيبراني، إنشاء قاعدة صناعية دفاعية، وتأسيس أسطول بحري تجاري وطني.
ولتمويل هذا الطموح الاجتماعي والسيادي، تعتمد الحكومة على مسار اقتصادي يرفع مساهمة القطاع الخاص إلى ثلثي الاستثمار الوطني من خلال ميثاق الاستثمار وإصلاح المراكز الجهوية للاستثمار، إضافة إلى إطلاق خارطة طريق سياحية (2027–2030) تستهدف استقطاب 26 مليون سائح بحلول 2030.
المؤشرات الاقتصادية والمالية المستهدفة
تتوقع رئيسة الحكومة الجديدة تحقيق أهداف اقتصادية محددة خلال هذه الولاية التشريعية، تتمثل في تحقيق نسبة نمو متوسطة تبلغ 5% سنوياً، والتحكم في معدل التضخم ليظل في حدود 2% سنوياً.
كما تهدف الحكومة إلى ضبط عجز الميزانية عند حدود 3% من الناتج المحلي الإجمالي، مع العمل على خفض نسبة المديونية العمومية لتصل إلى 62% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول سنة 2031.
واختتمت رئيسة الحكومة العرض بالتأكيد على أن تنزيل هذا التصريح هو "مسؤولية حكومية تسانده الرقابة البرلمانية والإعلام وقوى المجتمع"، مبرزةً أن يد الحكومة ستبقى ممدودة للأغلبية والمعارضة والشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين، لخدمة التطلعات العليا للمملكة المغربية تحت قيادة الملك محمد السادس.


