سارا القرني
لم نعد ننتظر اكتمال الخبر كي نحكم عليه. يكفي عنوان عاجل، أو مقطع مبتور، أو جملة منسوبة إلى شخص، حتى تبدأ محكمة عامة لا تعرف التأجيل. خلال دقائق تتوزع الأدوار: متهم، ومدافع، وقاضٍ، وخبير في النوايا. وفي آخر النهار قد يتغير الخبر كله، لكن الأحكام التي أطلقناها تكون قد وجدت طريقها إلى الناس.
المشكلة ليست في أن يكون للإنسان رأي؛ فالرأي علامة حضور ووعي حين يستند إلى معرفة. المشكلة أن السرعة أصبحت تمنح الكلام قيمة لا يملكها. من يكتب أولًا يبدو أجرأ، ومن يتردد قليلًا يُتهم بأنه لا يفهم ما يجري. وهكذا تحولت عبارة «لا أعرف بعد» من موقف مسؤول إلى إجابة يخجل منها كثيرون، مع أنها قد تكون أكثر صدقًا من صفحات كاملة كُتبت بثقة.
في الماضي كان الخبر يمر بمراحل قبل أن يصل إلى القارئ. أما اليوم فيصل الحدث وصورته وتفسيره وردود الفعل عليه في اللحظة نفسها. هذه السرعة قرَّبت العالم، لكنها خلقت ارتباكًا آخر: لم نعد نفرِّق دائمًا بين ما حدث فعلًا، وما قيل إنه حدث، وما نتمنى أن يكون قد حدث. تختلط المعلومة بالتعليق، ثم يتناقل الناس التعليق باعتباره أصل المعلومة.
والأغرب أن بعضنا لا يبحث عمَّا حدث، بل يبحث عمَّا يؤكد موقفه السابق. يختار من الخبر الجزء الذي يناسبه، ويتجاهل ما يربك قناعته، ثم يقدم رأيه بوصفه الحقيقة الوحيدة. عندها لا تصبح المعرفة وسيلة للفهم، بل أداة لتثبيت ما قررناه مسبقًا. نحن لا نقرأ كي نعرف، بل كي نجد جملة نربح بها جدالًا بدأ قبل القراءة.
هذا المشهد لا يقتصر على القضايا السياسية الكبرى. نراه في حادثة عائلية، وفي خلاف بين شخصين، وفي قضية اجتماعية، وفي مقطع لا نعرف ما سبقه ولا ما تلاه. نستمع إلى طرف واحد، ثم نكتب عن الأخلاق والعدل والوفاء. وقد نبني موقفًا قاسيًا من ثوانٍ صُورت بعناية، بينما تبقى سنوات كاملة خارج العدسة. الصورة دليل مهم، لكنها لا تحمل دائمًا القصة كلها.
ولأن المنصات تكافئ التفاعل السريع، يجد المتأني نفسه في موقع صعب. حين يجمع التفاصيل يكون الجمهور قد انتقل إلى قضية أخرى، وحين يكتب تصحيحًا تكون الرواية الأولى قد استقرت في الأذهان. الكذبة الجذابة لا تحتاج إلى جهد كبير لتسافر، أما الحقيقة فتصل محملة بالتواريخ والسياق والأسئلة. لذلك لا ينتصر الكلام الصحيح دائمًا بمجرد أنه صحيح؛ يحتاج إلى قارئ لا يملّ من التحقق.
لا أخشى اختلاف الآراء بقدر ما أخشى تشابهها في الثقة. من الطبيعي أن يرى الناس الحدث من زوايا مختلفة، لكن الغريب أن يتحدث الجميع بنبرة من حضر وسمع وراجع الوثائق. تختفي الكلمات التي تحمي العقل من الغرور: ربما، بحسب المتاح، لم تتضح الصورة، أحتاج إلى مصدر آخر. هذه الكلمات لا تضعف الرأي، بل تكشف أن صاحبه يعرف حدود ما يعرف.
وقد أصبح الصمت نفسه يحتاج إلى دفاع. إذا لم تعلق على كل قضية، ظن بعضهم أنك بلا موقف. وإذا قلت إن المعلومات غير كافية، اعتبروا ذلك هروبًا. كأن الإنسان مطالب بأن يحمل رأيًا جاهزًا لكل خبر يمر أمامه. لكن العقل لا يقاس بعدد المواقف التي يعلنها، بل بقدرته على التمييز بين وقت الكلام ووقت الانتظار. أحيانًا يكون الامتناع عن الحكم احترامًا للحقيقة وللأشخاص الذين قد تؤذيهم رواية ناقصة.
المثقف الحقيقي لا يظهر في الكلمات الصعبة ولا في كثرة الاقتباسات. يظهر حين يقاوم إغراء الإجابة السريعة، ويسأل عن المصدر، ويفصل بين الخبر ورأيه فيه، ويغير موقفه إذا ظهرت معلومات جديدة. الاعتراف بالخطأ لا يهدم صورته؛ الإصرار عليه هو ما يفعل. المعرفة التي لا تسمح لصاحبها بالمراجعة تتحول إلى زينة لغوية لا أكثر.
نحن بحاجة إلى تربية جديدة على التلقي. قبل أن نشارك خبرًا، نسأل: من نشره أولًا؟ هل ورد في مصدر موثوق؟ هل العنوان يعكس المحتوى؟ هل المقطع كامل؟ وقبل أن نهاجم شخصًا، نتذكر أن ضغطة واحدة قد تجعل اتهامًا غير مثبت جزءًا دائمًا من اسمه. ليست كل مشاركة بريئة، فبعض الكلمات تتحول في حياة الآخرين إلى خسارة لا يصلحها اعتذار متأخر.
لا يعني ذلك أن نعيش متشككين في كل شيء أو أن نغلق أبواب النقاش. المطلوب أن نمنح الحقيقة الوقت الذي نمنحه لرغبتنا في الظهور. أن نقرأ قبل أن نكتب، ونفهم قبل أن نحاكم، ونترك مساحة لاحتمال أن ما وصل إلينا ليس الصورة كاملة. فالرأي الذي يتأخر قليلًا قد ينقذنا من ظلم كبير.
في زمن يتسابق فيه الجميع إلى الكلام، قد تصبح الجملة الأكثر شجاعة هي: لا أعرف بعد. ليست هذه الجملة انسحابًا من الوعي، بل بدايته؛ لأن المعرفة لا تبدأ بادعاء امتلاك الحقيقة، وإنما بالاعتراف بأن الوصول إليها يحتاج إلى وقت.

