تتكشف في العاصمة الإيرانية ملامح مرحلة سياسية وأمنية حاسمة تتجاوز مجرد التدافع المؤسسي التقليدي، لتضع المشهد أمام مؤشرات متزايدة حول إعادة صياغة هيكلية لإدارة الحكم، وتحصين النظام استباقيًا لسيناريوهات الخلافة أو مرحلة "ما بعد مجتبى خامنئي". فلم تعد الشكوك المحيطة بغياب المرشد منفصلة عن القرارات العسكرية والأمنية المتلاحقة، بل باتت تؤكد أن طهران تخوض سباقًا مع الوقت لتأسيس "غرفة قيادة صلبة" قادرة على السيطرة وإدارة الفراغ القيادي المحتمل، وسط خنق مالي وإقليمي يهدد الجبهة الداخلية.
تجلت أولى شقوق هذا المشهد المركب في التصريحات الاستثنائية للرئيس مسعود بزشكيان، التي كشف فيها صراحة عن تعذر التواصل المباشر مع القيادة العليا وتصفية الرسائل الموجهة إليها، وصولًا إلى تسريبات تلويحه بالاستقالة أكثر من مرة كورقة ضغط أخيرة. غير أن التحول الأبرز جاء بعد أيام قليلة، حين تراجع بزشكيان بشكل مفاجئ ليصرح بأنه التقى المرشد وتناقش معه حول الأوضاع.
يطرح هذا التراجع السريع تساؤلات جوهرية حول دوافعه الحقيقية، وعما إذا كان تراجع بزشكيان واستدراكه قد جاءا نتيجة صفقة سياسية داخلية تمت خلف الكواليس لتأمين جبهة النظام وتحصين اتخاذ القرار ضمن ترتيبات محتملة تُصاغ للقادم والمستقبل، خاصة أن هذه التهدئة التقت زمنيًا مع صدور حزمة التعيينات العسكرية والأمنية المفصلية التي يُزعم أنها صدرت من المرشد نفسه.
وقد سارعت الأجهزة المعنية، بالتزامن مع تراجع بزشكيان، بتداول شريط فيديو مسرب للمرشد مجتبى خامنئي في محاولة لطمأنة الرأي العام وتأكيد وجوده وحضوره في المشهد. غير أن المقطع المسرب، بملابساته الغامضة، لا يقدم أي دليل زمني يثبت تاريخ تسجيله الحديث، كما أنه خلا تمامًا من أي إشارات تتناول أحداثًا راهنة بالصوت والصورة، مما عمّق حجم الشكوك بدلاً من تبديدها، ورسّخ فرضيات وفاة المرشد أو وجود معوقات صحية حادة أو عجز جسيم يحول دون ممارسته المباشرة لمهامه السيادية، والاعتماد بدلاً من ذلك على إدارة الملفات الحساسة عبر قنوات أمنية وسيطة بعيدًا عن الإعلام.
وفي أوج هذا الغموض المكتنف لقمة الهرم القيادي، جاءت حزمة التغييرات العسكرية والأمنية المنسوبة إلى المرشد لتكشف عن الاتجاه الفعلي للهندسة الجديدة للنظام، فلم تقتصر القرارات على تعيين محسن رضائي أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، بل امتدت لإعادة صياغة مفاصل القوة داخل الحرس الثوري عبر تثبيت أحمد وحيدي قائدًا عامًا للحرس الثوري واللواء مصطفى إيزادي نائبًا له، إلى جانب تعيين العميد علي عظمائي قائدًا للقوة البحرية في الحرس الثوري، وهو المتخصص الخبير في عمليات إدارة الصراع عند مضيق هرمز. وعن البعد الأمني الميداني، جاء تعيين حسين طائب برصيده وتاريخه الاستخباراتي الثقيل على رأس قوات "الباسيج"، في خطوة تستهدف بالأساس ضبط الإيقاع الداخلي، وتأمين الجبهة المجتمعية، وتحصين البيت الداخلي استباقيًا.
ولا يقتصر هذا التدافع وتوزيع الأدوار الحذر على توازنات الأشخاص والأسماء، بل يكشف عن تحول في طبيعة إدارة السلطة ونمط اتخاذ القرار، إذ يطرح الغموض المحيط بوضعية المرشد فرضية انتقال عملي من مركزية القرار الفردي إلى معادلة ثنائية توافقية تُدار بحكم الأمر الواقع. معادلة توازن بين سلطة الحرس الثوري الميدانية والأمنية لضمان التماسك الصلب ومنع الفوضى، وبين نفوذ المؤسسات السياسية والتنفيذية، رئاستي الجمهورية والبرلمان بقيادة بزشكيان وقاليباف، لإدارة شؤون الاقتصاد والدبلوماسية والشارع. وهو ما يعني أن إدارة الدولة تتجه فعليًا نحو صيغة قيادة أمنية-سياسية مشتركة لتأمين المرحلة ومنع تفكك مراكز النفوذ عند أي شغور في القمة.
وعلى الصعيد الملاحي، تسقط الوقائع الميدانية بتعيين قيادة أمنية متشددة لمضيق هرمز فكرة إبداء طهران لـ"نعومة تكتيكية"، فبالرغم من المفاوضات مع سلطنة عُمان لتحديد مسارات الحركة، تؤكد التصريحات الرسمية أن وجود اتفاق لا يعني فتح المضيق. غير أن هذه الأوراق الاستعراضية تصطدم بالواقع المعيشي المأزوم للداخل الإيراني، إذ يتكامل الحصار البحري الأميركي المشدد والرقابة على حركة الناقلات في المياه الدولية مع العقوبات الخانقة وتشدد وزارة الخزانة الأميركية، ليتسببا معًا في حالة من الشلل لشرايين الاقتصاد الإيراني. فقد أدت التضييقات البحرية والمالية على حد سواء إلى تعقيد المبادلات وتراجع الإيرادات، مما تسبب في انهيار القوة الشرائية، وتأخر مرتبات الموظفين المدنيين والعسكريين، ليتحول الضغط المعيشي الداخلي إلى قنبلة موقوتة تهدد السلم الاجتماعي.
وتُجمع هذه المعطيات الاستراتيجية على أن طهران تخوض مرحلة انكفاء احترازي نحو الداخل، فبينما تسعى المنظومة الأمنية والسياسية المشتركة لإدارة ملفات السيطرة وتثبيت التوازنات وتأمين سيناريوهات الخلافة وإعادة صياغة شكل الحكم المرتقب، تفرض الضغوط المالية الخارقة للحدود واقعًا يقلص مساحة المناورة الخارجية ويضع النظام أمام مواجهة حتمية مع أزماته المعيشية والمؤسسية المتشابكة.


