سماحة الشيخ نعيم قاسم المحترم،
تحية طيبة من عالم الخيال، حيث أقيم منذ أن تفضّلتم باختلاقي، ومنذ أن قرر مستشاروكم أن "المفكر اليهودي" لا يحتاج إلى أن يكون موجودًا على أرض الواقع، ما دام كلامه يصلح لتخوين الوفد اللبناني المفاوض.
أعرّفكم بنفسي: أنا موشي يائير، أو موشي مائير، أو يائير موشي، بحسب الموقع الذي تنقلون عنه، وسرعة الناسخ، ودرجة حماسته. أكتب في "يديعوت أحرونوت"، مع أن الصحيفة لا تعرفني، ومقالي غير موجود في أرشيفها، والنص العربي المنسوب إليّ سبق التاريخ الذي زعمتم أنني كتبت بعده. لكن هذه تفاصيل صغيرة لا ينبغي لها أن تعكّر صفو "السردية". والمهم أنه، في عالمكم، لا يحتاج المصدر إلى أصل، ولا المقال إلى كاتب، ولا النصر إلى وطن يبقى صامدًا منيعًا بعده.
أشكركم، مع ذلك، لأنكم منحتموني، في دقيقة واحدة، شهرة لم أستطع تحقيقها طوال حياة لم أعشها. لقد استشهد بي الأمين العام لحزب الله على الملأ، وقرأ كلماتي أمام جمهور يُفترض أن يصدقها، لا لأنني موجود، بل لأنني يهودي وإسرائيلي وروايتي مجدية. ويبدو أن شهادة العدو، حتى عندما يكون العدو مختلقًا، تفيدكم أكثر من شهادة اللبناني الذي يعاين بيته وهو يحترق، وقريته تُهدم، ومستقبله يُدفن تحت الركام.
لا تقلقوا، يا سماحة الشيخ، فمصداقيتكم ومصداقية حزبكم ثابتة تمامًا كقصتي: لا أصل لها، ولا أثر، ولا شاهد عليها سوى مَن اخترعها ثم صدّقها.
ولعل أجمل ما في الحكاية أنكم استشهدتم بي خلال خطاب إحياء ذكرى ما تسمونه "النصر الإلهي". لا يمكنني أن أتخيل مسرحًا أكثر ملاءمة لظهوري الأول: نصر يحتاج إلى شخصية وهمية كي تشيد به، فيما الجنوب الحقيقي يحترق، وقراه تُهدم، وأهله يُهجّرون، ورايات الانتصار تُرفع فوق أرض لم يعد كثير من أصحابها قادرين على العودة إليها.
إنها مفارقة لا تخلو من الجمال الأسود: تحتفلون بانتصار مضى عليه عشرون عامًا، بينما تُستكمل اليوم عملية تدمير ما قيل إن ذلك الانتصار قد حماه. تتحدثون عن تموز كما لو أنه معركة بدر، فيما أهل الجنوب يعيشون كل تموز جديد بوصفه موعدًا آخر مع النزوح والموت وانتظار الإعمار. بقي "النصر الإلهي" ثابتًا فقط في الخطابات، أما البيوت والأرزاق والقرى، فيبدو أنها لم تكن مشمولة بالعناية نفسها.
لقد قدمتم تعريفًا مبتكرًا للنصر: أن يبقى القائد ويختفي الناس، وأن تبقى البندقية وتحترق الأرض، وأن يُعاد بناء المنصة قبل إعادة بناء البيت. وإذا سأل أحدهم ماذا ربح لبنان، فالإجابة جاهزة: لقد انتصرت المقاومة. وإذا سأل أين يظهر هذا الانتصار، يمكن الإشارة إلى الدخان؛ فالدخان، مثل مقالي، قابل دائمًا للتفسير.
والأجمل أنكم حاكمتم الوفد اللبناني بتهمة خدمة إسرائيل، مستندين إلى مقال إسرائيلي من نسج الخيال لم يكتبه إسرائيلي، تزعمون أنه نُشر بعد اتفاق لم يكن قد وُقّع بعد. لا بد أن هذا نوع متقدم من الحرب النفسية: تستنبطون لنا كاتبًا، ثم تنسبون إليه كلامًا، ثم تغضبون من ذلك الكلام، ثم تستخدمونه دليلًا على خيانة خصومكم. أقرّ بأننا، في إسرائيل، لم نصل بعد إلى هذه العبقرية؛ فنحن ما زلنا نحتاج، في العادة، إلى كاتب كي نكتب مقالًا.
ربما ينبغي أن أشكركم أيضًا لأنكم أثبتم أن علاقتكم بالحقيقة تشبه علاقتكم بالدولة اللبنانية: تستحضرونها عندما تخدم مصالحكم، وتتجاهلون وجودها عندما تعترض طريقكم. الحقيقة عندكم جبهة مساندة؛ تدخل الحرب بإشارة منكم، وتنسحب عندما تصبح كلفتها محرجة.
سماحة الشيخ، لا تعتذروا عن الخطأ، فذلك قد يفتح بابًا خطيرًا. إذا بدأتم بالتحقق من "موشي يائير"، فقد يطالبكم الناس لاحقًا بالتحقق من "النصر الإلهي"، ومن جدوى السلاح، ومن مصير القرى، ومن سبب تحوّل الجنوب إلى محرقة موسمية تُضاء فوقها شموع الاحتفال ببطولاتكم.
ختامًا، أتمنى أن نلتقي قريبًا على فنجان قهوة. ربما في تل أبيب، ما دمتم تستعينون بالإسرائيليين في خطاباتكم كلما ضاقت بكم الحجة. وإن تعذّر عليكم الحضور، فقد آتي أنا للبحث عنكم في أحد الأقبية؛ فأنا، بحكم كوني شخصية خيالية، أستطيع الوصول إلى الأماكن التي يصعب على الحقيقة الوصول إليها.
صديقكم الذي لم يولد بعد،
موشي يائير
مفكر يهودي، وكاتب في صحيفة لم تسمع به.

