: آخر تحديث
المختبر السياسي

الجلطة والشلل السياسي

2
2
2

في الطب، قد تكون الجلطة لحظة فاصلة بين الحياة والموت، فهي تحدث عندما ينسد شريان يمنع وصول الدم إلى جزء من الجسد، أو عندما يتوقف مسار حيوي عن أداء وظيفته الطبيعية، وقد تنتهي بوفاة العضو، أو تترك أثرًا دائمًا يتمثل في فقدان القدرة على الحركة، فالخطر لا يكمن دائمًا في توقف الحياة، بل أحيانًا في بقاء الجسد حيًا لكنه عاجز عن أداء وظائفه، وهكذا هي السياسة، فالدول لا تموت دائمًا عندما تصاب بالأزمات، لكنها قد تدخل مرحلة أخطر، مرحلة الجلطة السياسية التي تعطل شرايين القرار، ثم تقود إلى الشلل السياسي الذي يفقد الدولة قدرتها على الحركة والتقدم.

فالجلطة السياسية تبدأ عندما تنسد قنوات العمل الطبيعي داخل الدولة، حين يتحول الخلاف السياسي من وسيلة للوصول إلى حلول إلى أداة لتعطيل الحلول، وحين يصبح التنافس بين القوى السياسية صراعًا على النفوذ بدل أن يكون تنافسًا على خدمة المجتمع، عندها تبدأ الشرايين التي يفترض أن تضخ الحياة في مؤسسات الدولة بالانسداد تدريجيًا.

ومن أخطر مسببات الجلطة السياسية تضارب مراكز القرار، فالدولة التي تتعدد فيها مراكز القوة دون مرجعية واضحة تشبه جسدًا تصل إليه أوامر متناقضة، كل عضو يريد الحركة في اتجاه مختلف، فتتعطل حركة الجسد كله، وحين تصبح الأولوية للحفاظ على التوازنات الضيقة بدل بناء القرار الوطني، تتحول مؤسسات الدولة إلى ساحات انتظار لا إلى أدوات إنجاز.

وقد تأتي الجلطة أيضًا من تضخم الإجراءات وتعقيد الإدارة، فحين يخشى المسؤول اتخاذ القرار، وحين تصبح كل خطوة بحاجة إلى سلسلة طويلة من الموافقات، تتحول البيروقراطية من وسيلة لتنظيم العمل إلى عائق يمنع الحركة. وفي هذه الحالة لا يكون غياب القرار نتيجة عدم وجود المؤسسات، بل نتيجة عجز المؤسسات عن استخدام صلاحياتها.

أما الشلل السياسي فهو المرحلة التي تلي الجلطة حين تستمر دون علاج، ففي الشلل لا يختفي الجسد، لكنه يفقد القدرة على الحركة، وهذا ما يحدث لبعض الدول التي تبقى فيها الحكومات والبرلمانات والوزارات قائمة، لكن قدرتها على الإنجاز تتراجع إلى الحد الأدنى، تصدر القرارات ولا تنفذ، تُعلن الخطط ولا تتحقق، وتبقى الأزمات تتكرر لأن الجسد السياسي فقد القدرة على الاستجابة، والأخطر من الشلل المؤقت هو اعتياده، فعندما يصبح التعطيل أمرًا طبيعيًا، ويتحول غياب الإنجاز إلى واقع مقبول، يبدأ المجتمع بالتكيف مع العجز بدل مقاومته، ومع مرور الوقت، تفقد الدولة ثقة مواطنيها، ليس لأنها غائبة، بل لأنها موجودة دون قدرة حقيقية على الفعل.

لكنَّ الطب يعلمنا أن الجلطات لا تعني دائمًا النهاية، فالتدخل السريع قد ينقذ الجسد ويعيد إليه بعض وظائفه، والسياسة كذلك، فإصلاح المؤسسات، وتحديد الصلاحيات، واحترام القانون، وإنهاء تضارب مراكز النفوذ، وإعادة الاعتبار للكفاءة، كلها وسائل يمكن أن تعيد تدفق الحياة إلى شرايين الدولة، أما إذا تُركت الجلطة دون علاج، فإن الشلل يصبح حالة مزمنة، وتتحول الدولة إلى جسد يستهلك موارده في إدارة أزماته بدل بناء مستقبله، وهنا لا يكون الخطر في غياب الدولة، بل في وجود دولة فقدت قدرتها على الحركة، فالدول لا تسقط فقط عندما تنهار مؤسساتها، بل قد تسقط معنويًا ووظيفيًا عندما تصبح عاجزة عن اتخاذ القرار، وعن الإصلاح، وعن مواكبة تطلعات شعوبها، فالجلطة قد لا تقتل الجسد السياسي، لكنها قد تتركه مشلولًا، قائمًا في مكانه، ينتظر علاجًا قد يأتي متأخرًا، ولهذا فإن أخطر ما ينبغي أن تخشاه الدول ليس الأزمة العابرة، بل التحول من الأزمة إلى حالة دائمة، لأن الجسد الذي يفقد القدرة على الحركة، حتى وإن بقي حيًا، يصبح أكثر عرضة لكل الأمراض التي تأتي بعد ذلك.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.