تعلَّمنا أن نفهمَ السياسة من خلال الخطب، بينما تجري في الواقع على طريقة المسرحيات. في الخطابة يوجد بطلٌ وخَصمٌ ورسالةٌ واضحة. أمَّا في الدراما فكلُّ شخصيةٍ تحمل دوافعَها، وقد يتحوَّل الخصمُ حليفاً، والحليفُ خَصماً، دون أن يتغيَّر أحدُهما أخلاقيّاً بالضرورة.
الخطابة توفر سرديةً نصوصيةً جاهزةً للحفظ، ومفردات حاضرة الدلالة، تُظهر مستخدمها في دور المثقف، لكنَّها تعطله عن الابتكار السياسي. والنتيجة أنَّ العقولَ النخبويةَ صارت تبحث عن رأي تحفظه، لا عن رأي تتوصَّل إليه، وعن إجماع يطمئنها ويدفن الشَّكَ، ففقدت تمايزها.
السياسة على أرض الواقع متباينة الأطراف، لكل منها تاريخُه الشخصي، وهي معنية بالتَّطور والتفاعل عبر الزمن، تماماً كالدراما. في مسرحية «روميو وجولييت» على سبيل المثال، لدينا فتيان من عائلتين متناحرتين وقعا في الحب. ولدينا أقارب بعضُهم يعارض هذا الحبَّ وبعضهم يقاومه. والمحصلة يرسمها التَّصرف، وكيف يتصرَّف من حولهم. لا يمكن أبداً فهم المسرحية إن قرَّرت مسبقاً أنَّ عائلة واحدة هي الخير المطلق، والأخرى الشّر المطلق. وهكذا العلاقات الدولية.
غياب الدراما اليومية عن حياتنا السياسية جعلنا نواجه الكوارثَ الكبرى بلا تدريب مسبق. نستيقظ يوماً فنجد نكسة يونيو (حزيران)، أو اندلاع الحرب اللبنانية، أو غزو الكويت، أو سقوط بغداد.
أو نستيقظ على اضطراب سياسي كبير في أكثر من دولة، كما حدث فيما عرف بـ«الربيع العربي». ونفاجأ بأسئلة درامية غير مسبوقة، لديك إسلامٌ سياسيٌّ، ويسار، وقوى إقليمية، ونفوذٌ عالمي. الكلّ موجودٌ في ميدان واحد. من يختار من؟ وكيف يتصرَّف كلُّ طرف؟ وهل يتوافق تصرفُه مع ما كان يدعيه سابقاً؟
لو قدّمت لك هذه المعطيات نظرياً لما توقعت ما شهدناه على أرض الواقع. يسار يختار التحالفَ مع الإسلام السياسي. وقوميون عربٌ يسخّرون جهودَهم لصالح قوى إقليمية، وشيوعيون سابقون يتعاونون مع أميركا أوباما.
خلقت الدراما مشهداً لا يشبه ما سبقه. لم يخذل الواقع أحداً، بل خذلتنا الخرائطُ الذهنية التي كنَّا نتوقعه بها.
في الأزمة الحالية، وعلى مستوى الأفراد، ومع تداخل الأطراف، وتعدد المصالح المتضررة، نعيش وضعاً دراميّاً سياسيّاً شبيهاً. الشخص الواحد يعجز عن تقديم موقف ذي نسق متماسك. بل يتعامل مع المشهد وكأنَّه وحدة قائمة بذاتها، هو المبتدأ والمنتهى، وليس جزءاً من دراما ممتدة. كأنَّما أطراف الأزمة شخصيات بلا تاريخ. إن بكى اعتبرناه مظلوماً، وإن رفع يديه بعلامة النَّصر اعتبرناه منتصراً. وننسى ما تعلمناه من المشهد السابق، والأسبق، ومن مجمل الرواية منذ صفحتها الأولى.
وكما أنَّ هذا التعامل اللادرامي مع السياسة نشأ من ثقافة حفظ الإرشادات السياسية بديلاً عن إعمال العقل للتوصل إليها، فإنَّه يؤدي إلى مواقفَ تتجمل في الكتابة النظرية، وتروّج في نطاق الشعارات، لكنَّها تعجز عن تقديم أسلوب عملي للتعامل معها، أو حتى رؤية منصفة لتقييمها وفهم سلوك أطرافها.
السياسة دراما. والدراما ليست كتاباً في علم النفس يعرف الشخصيات ويصف التعامل معها، ولا خطابة تقدّم الإجابات قبل أن تسمع الأسئلة.

