: آخر تحديث

الممر السعودي

3
3
3

أعادت الهجمات الأخيرة التي استهدفت سفينتين في مضيق هرمز الحرب الإيرانية–الأميركية إلى واحدة من أكثر ساحاتها حساسية، ودخلت حركة الملاحة طورًا شديد الاضطراب مع تراجع أعداد السفن العابرة وارتفاع تقديرات المخاطر واتساع الحذر لدى شركات الشحن والتأمين والطاقة، فيما أصبح المضيق مركز ثقل تتقاطع داخله العمليات العسكرية مع حركة الاقتصاد العالمي، وتحولت السفن العابرة إلى مؤشرات سياسية تقيس مستوى الثقة في أمن المنطقة واستقرار أسواق الطاقة وقدرة التجارة الدولية على الاستمرار وسط مواجهة تمتد آثارها إلى الموانئ والأسواق ومراكز القرار الاقتصادي.

وتكشف تطورات هرمز أن مفهوم السيادة الاقتصادية يدخل مرحلة جديدة ترتبط فيها قوة الدولة بقدرتها على حماية حرية حركة مواردها وتجارتها والوصول بها إلى الأسواق تحت أقسى ظروف الصراع، فالممرات البحرية أصبحت جزءًا من المجال الاستراتيجي للقوة الوطنية، فيما يمتد تأثير اضطراب العبور إلى التأمين والشحن والطاقة وسلاسل الإنتاج والاستثمار، لتصبح حرية الحركة أصلًا من أصول السيادة وامتلاك المسارات المتعددة عنصرًا رئيسيًا في قدرة الاقتصادات على الصمود أمام الأزمات الممتدة.

وفي قلب هذه اللحظة يبرز «الممر السعودي» بوصفه تصورًا استراتيجيًا يوظف امتداد المملكة بين الخليج العربي والبحر الأحمر وما تملكه من موانئ وطرق وخطوط أنابيب ومطارات ومناطق اقتصادية ومشروعات للسكك الحديدية، لتصبح اليابسة السعودية فضاءً متصلًا لحركة الطاقة والبضائع بين دائرتين بحريتين رئيسيتين، وتتحول هذه الشبكة إلى أحد أصول القوة الوطنية القادرة على إعادة توجيه التدفقات وفق التحولات الأمنية والاقتصادية، ضمن موقع يمنح المملكة حضورًا متقدمًا في معادلات الطاقة والتجارة والأمن البحري.

وخلال المرحلة المقبلة ستقاس القوة الخليجية بقدرة دول المنطقة على امتلاك حرية الحركة داخل جغرافيتها وتحصين دورة الاقتصاد والطاقة أمام نقاط الاختناق، وستنتقل مرونة الممرات إلى صميم مفهوم السيادة الاستراتيجية، فيما يمنح الامتداد السعودي بين الخليج والبحر الأحمر المملكة موقعًا مركزيًا في إعادة تشكيل خريطة العبور الخليجية، وقد يحمل العقد المقبل تحول المملكة إلى نقطة ارتكاز أكبر لحركة التجارة والطاقة بين آسيا وأفريقيا وأوروبا ومركزًا لصياغة مفهوم أكثر اتساعًا للأمن الاقتصادي الإقليمي.

ويستدعي هذا التصور تسريع الربط بين موانئ الخليج والبحر الأحمر وتوسيع قدرات خطوط الأنابيب والسكك الحديدية ومراكز التخزين والمناطق اللوجستية، وربطها بمنصة تشغيل وطنية تستخدم الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي والتوأم الرقمي لرصد المخاطر ومحاكاة اضطراب الممرات وتوجيه التدفقات، مع توسيع الشراكات مع موانئ البحر الأحمر وبحر العرب والمحيط الهندي وشرق أفريقيا، ليضع «الممر السعودي» الجغرافيا في قلب معادلة السيادة والردع، ويمنح المملكة دورًا يتجاوز حركة العبور إلى صناعة أمن العبور نفسه، ويجعل هذا الممر أحد مرتكزات الأمن الاقتصادي الخليجي في زمن يعاد فيه رسم خرائط الطاقة والتجارة والممرات.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد