عندما تعلن دولة ارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي، يتجه الاهتمام تلقائيًا إلى الرقم: كم مليارًا دخل؟ وهل ارتفع عن العام الماضي؟
لكن الرقم، مهما كان كبيرًا، يصف لحظة دخول الاستثمار، ولا يخبرنا وحده بما يحدث بعد ذلك.
لنفترض أن استثمارًا أجنبيًا بمليار ريال دخل إلى قطاع صناعي في المملكة. يمكن أن يبني مصنعًا ويشتري معدات ويبدأ الإنتاج. ويمكن للمليار نفسه أن يبني المصنع، ثم يشتري من شركات سعودية، ويؤهل موردين محليين، ويدرّب مهندسين وفنيين، وينقل عمليات كانت تتم في الخارج، ويستبدل جزءًا من الواردات بإنتاج محلي، ثم يبدأ بالتصدير من المملكة.
في الإحصاءات قد يكون المليار هو المليار، لكن في الاقتصاد هما استثماران مختلفان تمامًا.
أحدث بيانات الهيئة العامة للإحصاء تشير إلى أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الداخلة إلى المملكة بلغت نحو 26.6 مليار ريال في الربع الأول من 2026، بارتفاع 2.4 % عن الفترة نفسها من العام السابق، فيما بلغ صافي التدفقات 23.1 مليار ريال. أرقام مهمة لقياس حركة رأس المال، لكنها لا تقيس وحدها كامل القيمة التي يخلقها المستثمر لاحقًا داخل الاقتصاد.
ولهذا، ربما تكون المرحلة المقبلة في رحلة الاستثمار السعودية أكثر تعقيدًا من مرحلة جذب رأس المال؛ لأنها تتعلق بما يحدث بعد وصوله.
هناك مفهوم اقتصادي يسمى الروابط المحلية (Local Linkages) فكلما اشترت الشركة الأجنبية من مورد سعودي، أو استعانت بخدمة محلية، أو ساعدت منشأة صغيرة على الوصول إلى مواصفاتها العالمية، بدأ أثر الاستثمار ينتقل إلى أجزاء أخرى من الاقتصاد.
فالدول لا تتنافس على الشركات العالمية من أجل المال وحده. ما يجعل الاستثمار الأجنبي مختلفًا هو ما يستطيع أن يحمله معه من تقنية، وخبرة إدارية، ومعرفة، وأسواق دولية، وسلاسل توريد عالمية.
لكن وجود شركة عالمية لا يعني أن هذه المنافع ستنتقل تلقائيًا.
وتقدم سنغافورة مثالًا مهمًا. فهي لم تكتفِ بجذب الشركات متعددة الجنسيات وانتظار انتقال المعرفة، بل أنشأت برامج تربطها بالموردين والمنشآت المحلية. ومن أبرزها برنامج PACT، الذي يدعم تطوير القدرات والتعاون ونقل المعرفة والابتكار بين الشركات الكبرى والمنشآت المحلية.
وفي مثال عملي، تعاونت Volvo Buses مع شركة SC Auto السنغافورية في صناعة الحافلات الكهربائية؛ قدمت Volvo مكونات وتقنيات رئيسية، بينما تولت الشركة المحلية التصميم والتصنيع والتجميع، وتطورت العلاقة حتى أصبح للشركة السنغافورية دور صناعي يتجاوز سوقها المحلية إلى المنطقة.
الدولة الناجحة في جذب الاستثمار لا تستضيف الشركة العالمية فقط؛ بل تستخدم وجودها لرفع قدرة شركاتها المحلية.
لكن المسؤولية لا تقع على المستثمر وحده. فنقل التقنية والمعرفة يحتاج إلى اقتصاد قادر على استيعابهما. فإذا لم تمتلك الشركات المحلية الكفاءات والتمويل والمعايير الفنية والإدارة التي تسمح لها بالعمل مع الشركات العالمية، فقد تبقى التقنية أمامها سنوات دون الاستفادة منها بالشكل المطلوب.
وهذا ما يعرف بـ القدرة الاستيعابية (Absorptive Capacity).
لذلك، فإن تطوير المنشآت السعودية الصغيرة والمتوسطة والكفاءات البشرية والجامعات ومراكز البحث ليس ملفًا منفصلًا عن جذب الاستثمار الأجنبي. كلما ارتفعت قدرة الاقتصاد المحلي على استيعاب المعرفة والتقنية، ارتفعت حصته من القيمة التي يجلبها المستثمر.
ثم تبدأ مرحلة أكثر تقدمًا.
قد يبدأ المستثمر بمكتب أو مصنع، ثم يبني شبكة موردين، ويوسع عملياته، وينشئ مركزًا إقليميًا أو مركزًا للبحث والتطوير، ويعيد استثمار أرباحه. وفي بعض الحالات، قد يتطور وجوده إلى شراكات سعودية أو كيان محلي أكبر، وربما إدراجه مستقبلًا في السوق المالية السعودية إذا كان ذلك مناسبًا لطبيعة الشركة واستراتيجيتها.
والطرح ليس هدفًا بحد ذاته، وإنما أحد المسارات الممكنة للتجذّر طويل الأجل في الاقتصاد. فعندما تصبح للشركة أصول وعمليات وموردون وقيادات محلية وتمويل من السوق السعودية، تختلف علاقتها بالاقتصاد جذريًا عن شركة دخلت لتنفيذ مشروع ثم المغادرة.
وهنا أرى مساحة مهمة للمرحلة المقبلة من سياسة الاستثمار السعودية: بعد جذب المستثمر تأتي مرحلة تثبيته وربطه بالاقتصاد المحلي وتوسيع استثماره، وصولًا إلى استخدام المملكة قاعدة لأعمال أكبر في المنطقة والعالم.
ومع تطور هذه الرحلة، يجب أن تتطور طريقة قياس النجاح. فإلى جانب حجم التدفقات، يمكن متابعة نسبة المشتريات المحلية، والموردين السعوديين الذين تأهلوا للعمل مع الشركات العالمية، والصادرات الناتجة عن الاستثمارات الأجنبية، والبحث والتطوير، والمهارات المنقولة، والأرباح المعاد استثمارها.
هذه ليست تفاصيل جانبية؛ هذه هي الطريقة التي يتحول بها الاستثمار الأجنبي من رأس مال يدخل الاقتصاد إلى قدرة إنتاجية جديدة يمتلكها الاقتصاد.
والأهم أن ذلك يخدم المستثمر أيضًا؛ فالمورد المحلي الكفؤ يقلل زمن التوريد والمخاطر، والكفاءات المحلية تخفض الاعتماد على الخارج، وقاعدة الإنتاج والتصدير تفتح أسواقًا أوسع.
ولهذا، ربما لا يكفي مستقبلًا أن نعرف كم مليارًا دخل إلى المملكة، بل ماذا حدث لهذا المليار بعد دخوله: ماذا صنع محليًا؟ وما المعرفة التي نقلها؟ وما الصادرات التي ولّدها؟ وكم أعيد استثماره؟
فالمليار الذي يدخل الاقتصاد رقم مهم.. لكن المليار الذي يجعل الاقتصاد ينتج ما لم يكن ينتجه من قبل، هو الاستثمار الذي يغيّر الاقتصاد فعلًا.

