مع توالي الأحداث ومستجداتها، تتزاحم الأخبار على القنوات الفضائية، وتتفاوت بين السياسة والحروب والاقتصاد، لكن أحياناً يلفت انتباهك وسط هذا الزحام مشهد إنساني مختلف، يأخذك بعيداً عن صخب الخبر وتفاصيله.
فخلال متابعتي لقناتين فضائيتين مختلفتين، وجدت نفسي أمام قضيتين مختلفتين تماماً في الفكرة والمكان، لكنهما تلتقيان في جانب إنساني واحد يتعلق بالأسرة والأبناء، الأولى تابعتها على قناة «CNN» عن المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت، والثانية من خلال فيلم وثائقي على قناة «BBC» عن أسر من جرينلاند تعيش في الدنمارك واختبارات «كفاءة الوالدين»!
في المشهد الأول، قررت ليفيت مغادرة واحد من أهم وأكثر المناصب الإعلامية والسياسية حضوراً في العالم، لتتفرغ بصورة أكبر لطفليها وأسرتها، قرار لفت انتباهي، ليس فقط لأننا نتحدث عن منصب بحجم المتحدث الرسمي للبيت الأبيض، بكل ما يمنحه من حضور وتأثير وشهرة، ولكن لأن السبب كان إنسانياً وبسيطاً للغاية يرتبط بالأسرة والأبناء.
أعجبتني ليفيت في هذا القرار بعيداً عن السياسة، وعن ترامب والجمهوريين والديمقراطيين، امرأة شابة وصلت إلى هذه المكانة الإعلامية، ثم اختارت التوقف عندما شعرت أن أطفالها وأسرتها يحتاجون إلى وجودها بصورة أكبر، وهنا تصبح التضحية بالمنصب في حد ذاتها رسالة إنسانية، فالنجاح ليس دائماً في الوصول إلى المناصب والمحافظة عليها، بل أحياناً في معرفة اللحظة التي تصبح فيها أشياء أخرى أكثر أهمية.
أما المشهد الثاني فكان أكثر ألماً، من خلال الفيلم الوثائقي الذي عرضته «BBC» عن اختبارات (كفاءة الوالدين) في الدنمارك، وما تعرضت له بعض الأسر من أصول جرينلاندية من تقييمات نفسية واجتماعية ترتب على بعضها إبعاد الطفل عن والديه، وعر ض طفلهم للتبني، إذا رأت الجهات المختصة عدم قدرتهما على رعايته.
تفاصيل الوثائقي كانت مؤثرة، فمن الصعب أن تتحول فرحتك بقرب إنجاب طفل إلى حالة من الخوف، وأن تنتظر مولودك وأنت لا تعرف إن كنت ستعود به إلى منزلك، أم أن قراراً رسمياً قد يفصله عنك، استناداً إلى تقييم يرى أنك غير مؤهل لتربيته.
والقضية أثارت جدلاً وانتقادات حول مدى ملاءمة هذه الاختبارات للخصوصية اللغوية والثقافية للأسر الجرينلاندية، وصولاً إلى تغيير طريقة التعامل معها ومراجعة حالات سابقة.
هنا توقفت أمام المفارقة بين المشهدين، أم تترك منصباً في البيت الأبيض لتكون أكثر قرباً من أطفالها، وفي الجانب الآخر أم تخشى أن يؤخذ طفلها منها استناداً إلى القانون والتقييمات النفسية والاجتماعية.
هذه المفارقة أعادتني إلى صورة نمطية رُسخت لدينا لسنوات عن المجتمعات الغربية، وأن الأسرة لديهم مفككة، وأن الأبناء لا يمثلون تلك الأولوية في حياتهم، والمؤسف أن بعض هذه الصور كانت عناوين لمحاضرات وقصص يرويها أشخاص لم يخرج بعضهم من نطاق قريته، لكن توارد القصص والمبالغة فيها منحهم فرصة للسرد الجذاب وكسب الشعبية على حساب دقة المعلومة.!
صحيح ان الحياة ليست مثالية هناك، كما أنها ليست مثالية في أي مجتمع، لكن التعميم دائماً هو المشكلة الكبرى التي نعاني منها، كون الأسرة في جميع المجتمعات تمثل قيمة إنسانية لا ترتبط بجغرافيا، والأبوة والأمومة مشاعر لا تحتاج إلى جنسية أو ثقافة حتى ندرك معناها.
ما بين «CNN» و»BBC»، لم أكن أمام قصتين عن أمريكا والدنمارك بقدر ما كنت أمام مشهدين عن الإنسان، أم تتنازل عن منصب من أجل أطفالها، وأم تتمسك بحقها في طفل تخشى أن تفقده، وبين الحالتين قوانين بشرية كثيرة، لكن تظل قوانين الفطرة أكثر بساطة ووضوحاً، فالأبناء نعمة عظيمة، لا يعوضها منصب، ولا ينبغي أن تختصر علاقتهم بوالديهم في نتيجة اختبار.

