صيغة الشمري
كثيرٌ من الحالات التي نصفها اليوم بأنها (أمراض نفسية) قد لا تكون دائماً مرضاً بالمعنى الطبي الدقيق، ربما تكون في بعض الأحيان طريقة تفكير ترسخت حتى أصبحت سلوكاً ومزاجاً ونظرة إلى الحياة. فالإنسان لا يعيش فقط بما يحدث له، وإنما بما يقوله عقله عن الذي يحدث له، قد يمر شخص بتجربة مؤلمة، فيختار عقله أن يجعل منها سجناً دائماً، بينما يمر آخر بالتجربة نفسها ويقرر أن يتجاوزها. الفارق ليس في الحدث، لكن في القرار الداخلي تجاهه، ومن هنا تظهر قوة الإرادة والعقل. فالعقل الذي يستطيع أن يكرر فكرة سلبية آلاف المرات، يستطيع أيضاً أن يتعلَّم فكرة جديدة ويكررها حتى تصبح قناعة. والخوف الذي يتغذَّى من التفكير يمكن أن يضعف عندما نرفض الاستسلام له، والحزن الذي يتحول إلى أسلوب حياة يمكن مقاومته عندما نقرِّر ألا نجعله هويتنا، لكن القول إن الشفاء من جميع الاضطرابات النفسية لا يحتاج إلا إلى (قرار صارم) من العقل سيكون تبسيطاً غير دقيق. فهناك اضطرابات نفسية معقدة تتداخل فيها عوامل بيولوجية ووراثية وكيميائية وتجارب حياتية، وقد تحتاج إلى علاج نفسي أو دوائي أو كليهما. الإرادة هنا ليست بديلاً عن العلاج، لكنها قد تكون جزءاً مهماً من طريقه، المشكلة أننا أحياناً نمنح أفكارنا سلطة أكبر مما تستحق نصدق كل ما يقوله الخوف، ونستسلم لكل ما يستدعي القلق، ونحوّل الماضي إلى حكم مؤبد، وربما يكون السؤال الأهم: هل أنا مريض فعلاً، أم أنني أسير لفكرة سلبية كررتها حتى صدقتها؟ في كثير من الأحيان، تبدأ رحلة التعافي عندما يتوقف الإنسان عن اعتبار أفكاره حقائق، ويبدأ في اختيار ما يستحق أن يسكن عقله. فالقرار الصارم قد يساعد الإنسان أن يستعيد فيها قيادة عقله وحياته.

