إيلاف من لندن: وصلوا إلى ليبيا في ذروة معركة طرابلس، برواتب تفوق ما كانوا يتقاضونه في شمال سوريا وعقود يُفترض أن تنتهي بانتهاء المهمة. بعد نحو سبع سنوات، اختفت الجبهة التي جاؤوا من أجلها، لكن ملف المقاتلين السوريين لم يُحسم بالكامل: معسكرات، تبديلات، نزاعات على الرواتب، وضغط أممي مستمر لإخراج القوات والمقاتلين الأجانب من البلاد.
بدأ نقل المقاتلين السوريين إلى ليبيا أواخر 2019 ومطلع 2020، مع اتساع التدخل التركي دعماً لحكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج في مواجهة هجوم قوات خليفة حفتر على طرابلس. وأكد تقرير لوزارة الدفاع الأميركية في 2020 أن تركيا نقلت ما بين 3500 و3800 مقاتل سوري مأجور إلى ليبيا خلال الأشهر الثلاثة الأولى من ذلك العام، فيما أظهرت تقديرات لاحقة أرقاماً متفاوتة تبعاً للفترة والجهة التي أصدرتها. ولذلك لا يمكن اعتماد رقم واحد باعتباره حصيلة نهائية لمن وصلوا أو لمن بقوا لاحقاً.
إلى الجبهة
لم يكن الدافع واحداً لدى جميع من غادروا سوريا، لكن المال كان عنصراً أساسياً في منظومة التجنيد.
وثقت منظمة «سوريون من أجل الحقيقة والعدالة» شهادات لمقاتلين جرى تجنيدهم للذهاب إلى ليبيا، وتحدثت عن عقود ورواتب مرتفعة قياساً بما كان يتقاضاه عناصر الفصائل في شمال سوريا، إضافة إلى آلية تقوم على إرسال مجموعات لفترات محددة ثم استبدالها بأخرى.
وكانت المهمة في بدايتها عسكرية مباشرة: دعم القوات المدافعة عن طرابلس.
ومع التدخل التركي، تغير ميزان المعركة خلال النصف الأول من 2020، وانسحبت قوات حفتر من مواقعها في محيط العاصمة. وفي يوليو من العام نفسه حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من بلوغ التدخل الخارجي في ليبيا مستويات غير مسبوقة، في وقت كان تدفق المقاتلين الأجانب والمرتزقة يزيد تعقيد الحرب.
الحرب تتوقف
في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2020، وقّع طرفا النزاع اتفاقاً دائماً لوقف إطلاق النار برعاية الأمم المتحدة.
ونص الاتفاق على عودة الوحدات العسكرية والجماعات المسلحة من خطوط التماس إلى معسكراتها، وعلى خروج جميع المرتزقة والمقاتلين الأجانب من الأراضي الليبية خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر.
انتهت المهلة، لكن الملف لم ينته.
وفي أكتوبر 2021 أقرت اللجنة العسكرية المشتركة الليبية «5+5» خطة جديدة لخروج المرتزقة والمقاتلين والقوات الأجنبية بصورة تدريجية ومتوازنة ومتسلسلة، في دليل واضح على أن بند الانسحاب الذي كان يفترض تنفيذه خلال أشهر بقي عالقاً.
وحتى أواخر 2025، ظل مجلس الأمن يطالب بـ«الانسحاب الفوري» لجميع القوات والمقاتلين الأجانب والمرتزقة من ليبيا، فيما أكدت بعثة الأمم المتحدة في يوليو 2026 أن تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، بما يشمل ملف القوات والمقاتلين الأجانب، لا يزال جزءاً من المسار الأمني الليبي. ولا يحدد هذا الموقف الأممي جنسيات المقاتلين الذين ما زالوا في البلاد أو أعدادهم الحالية.
بعد المعركة
مع انحسار الحرب الواسعة، تغيرت طبيعة وجود المقاتلين السوريين الذين بقوا في غرب ليبيا.
وتحدثت تقارير موثقة عن وجود مجموعات منهم داخل معسكرات ومقار أمنية في طرابلس، وعن انتقال بعضهم من القتال المباشر إلى مهام مرتبطة بالحراسة وتأمين المواقع.
وفي مارس (آذار) 2021، وثقت «سوريون من أجل الحقيقة والعدالة» احتجاجاً نفذه مقاتلون سوريون داخل أكاديمية الشرطة في صلاح الدين بطرابلس، على خلفية خلافات مع قادتهم بشأن الأموال والرواتب. وقالت المنظمة إنها تحققت من تسجيلات وشهادات لمقاتلين اتهموا قادة فصائل باقتطاع أجزاء من مستحقاتهم.
وظهرت الاتهامات في أوساط فصائل من بينها «الحمزة» و«السلطان مراد» و«سليمان شاه» و«المعتصم»، وفق المنظمة.
راتب وانتظار
تكررت بعد ذلك التقارير عن تأخر الرواتب وتعثر عودة بعض المقاتلين إلى سوريا.
وفي يناير 2022، قال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن مقاتلين سوريين في ليبيا تلقوا جزءاً فقط من مستحقاتهم بعد توقف الدفع لأشهر، وإن مطالبهم بالحصول على إجازات والعودة لم تكن قد حُسمت. وهذه الأرقام والمعلومات تبقى منسوبة إلى المرصد وليست بيانات رسمية ليبية أو تركية.
وفي سبتمبر من العام نفسه، قالت «سوريون من أجل الحقيقة والعدالة» إن ما لا يقل عن 3000 مقاتل سوري كانوا لا يزالون منتشرين في ليبيا، كما وثقت مشاركة مقاتلين سوريين في اشتباكات شهدتها طرابلس في أغسطس 2022. ويظل الرقم تقديراً صادراً عن المنظمة في ذلك التاريخ، ولا يمكن إسقاطه على الوضع الراهن في 2026.
وهذه نقطة أساسية في قراءة الملف: لا توجد بيانات علنية مستقلة وموثوقة تسمح بتحديد عدد المقاتلين السوريين الموجودين في ليبيا اليوم.
غضب محلي
ومع امتداد الوجود السوري إلى ما بعد الحرب، لم تبقِ المشكلة داخل المعسكرات.
في أغسطس 2023، شهدت منطقة الهضبة في طرابلس احتجاجات محلية على وجود مقاتلين سوريين قرب كلية ضباط الشرطة، أعقبها في اليوم التالي إطلاق نار بين مقاتلين سوريين وقوة محلية قرب الموقع، بحسب «Libya Security Monitor».
وزادت الحساسية بعد تداول تسجيل لمقاتل سوري يتحدث فيه عن وجود مجموعته ونفوذها في العاصمة، ما أثار ردود فعل ليبية غاضبة.
وبذلك انتقل الملف من سؤال يتعلق بمن استقدم المقاتلين أثناء الحرب إلى سؤال آخر: لماذا يستمر وجودهم بعد زوال الجبهة التي قدموا للقتال فيها؟
رقم مفقود
يبقى تحديد الحجم الحالي للوجود السوري أكثر جوانب القصة ضبابية.
الأرقام التي ظهرت منذ 2020 تقيس أشياء مختلفة: عدد الوافدين خلال فترة معينة، عدد الموجودين في لحظة محددة، أو تقديرات تراكمية لمن مروا عبر منظومة التجنيد والتبديل.
لذلك فإن جمع تلك الأرقام أو تقديم أحدها على أنه عدد المقاتلين السوريين الموجودين في ليبيا في 2026 سيكون مضللاً.
ما يمكن إثباته هو أن آلاف السوريين نُقلوا إلى ليبيا منذ أواخر 2019، وأن مجموعات منهم بقيت بعد وقف إطلاق النار، فيما ظل انسحاب المقاتلين والقوات الأجنبية بنداً غير مكتمل في العملية السياسية والأمنية الليبية حتى 2026. أما عدد السوريين الموجودين حالياً وأماكن تمركزهم الدقيقة وشروط عقودهم الحالية، فلا تتوافر بشأنها بيانات رسمية مستقلة يمكن البناء عليها.
ملف مفتوح
جاء المقاتلون السوريون إلى ليبيا في لحظة كانت فيها طرابلس على أبواب معركة فاصلة.
انتهت تلك المعركة. ووقّع وقف إطلاق النار. وحدد الاتفاق مهلة لخروج المقاتلين الأجانب. ثم مرت السنوات من دون تنفيذ كامل لذلك البند.
وهنا تكمن قصة الملف بعيداً عن المبالغة: لم يعد المقاتلون السوريون قوة تقلب وحدها ميزان حرب كبرى كما كان النقاش عام 2020، لكن وجودهم تحول إلى جزء من إرث التدخلات الأجنبية الذي لم تستطع ليبيا تفكيكه بالكامل.
وما بدأ بعقد للقتال تحول، بالنسبة إلى بعضهم، إلى انتظار بين المعسكر والراتب وموعد العودة.
أما بالنسبة إلى ليبيا، فبقي السؤال الأكبر من دون جواب نهائي: كيف تُغلق حربٌ أبوابها فيما تبقى القوى التي استقدمتها داخل البلاد؟


