: آخر تحديث
اتفاقية مكة بعدسات مختلفة:

من حكمة الرماح إلى حسابات الردع

1
1
1

قراءة في نوع آخر من القوة: ما تضيفه الاتفاقيات إلى أصحابها، وما تخصمه من حسابات المعتدي المحتمل.

ليست السياسة من اهتماماتي المباشرة، لكنها لا تنتظر اهتمامنا بها. فاتفاق دفاعي قد يعيد تسعير المخاطر في الأسواق، ويغير حركة المال والناس، ويصل أثره إلى شعور الأسرة بالأمان. لذلك استوقفتني اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، ولا سيما قاعدتها المعلنة: أن أي هجوم مسلح على إحداها يعد هجومًا عليها جميعًا. ولا يأتي هذا الترتيب في فراغ، فقد قام أمن الخليج منذ عقود على قدرات وطنية، وتعاون خليجي، وشراكات دفاعية دولية. غير أن الاتفاق المبرم في مكة نقل العلاقة بين ثلاث قوى إقليمية إلى صيغة دفاع جماعي معلنة، ضمن التزامات الأطراف القائمة ومن دون أن يحل محلها.

لا تنطلق هذه القراءة من افتراض أن الاتفاقية موجهة ضد دولة بعينها، ولا من رد عسكري آلي، فالمعلن أن طلب الدولة المعتدى عليها والتشاور بين الأطراف يحددان نوع المساندة ومداها. لذلك يرد تعبير "المعتدي المحتمل" هنا كفرضية تحليلية، لا كتسمية لدولة بعينها.

السياسة فن الممكن، والتقنية فن تحويل المنطق إلى عمل. وحين يحاول عقل تقني فهم قرار سياسي، لا تكفيه معادلة واحدة، يحتاج إلى أكثر من عدسة، لأن الممكن السياسي لا يكشف جميع حساباته من زاوية واحدة. فالاتفاقيات قوتان: قوة ظاهرة تضيفها إلى أطرافها، وقوة صامتة تخصم بها من جدوى خيارات من يفكر في الاعتداء عليها. وقد يظل الخيار موجودًا على الورق، لكنه يخرج من الحساب حين تصبح كلفته أعلى من فائدته. والعدسات التالية تتبع القوة الثانية، من دون أن تتجاوز حدود المعلن في الأولى.

من عدسة الأدب، تظهر الفكرة في لغات الشعوب الثلاثة. ففي بيت عربي متداول: "تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرًا، وإذا افترقن تكسرت آحادًا". وفي الشعر التركي، يقول محمد عاكف أرصوي، صاحب كلمات النشيد الوطني التركي، في ترجمة المعنى: "لا يدخل العدو أمة حتى تدخلها الفرقة، وما دامت القلوب تخفق مجتمعة، فلن يستطيع المدفع إخضاعها". وفي الشعر الأردي، يقول محمد إقبال، الشاعر والفيلسوف وأحد أبرز الملهمين الفكريين للحركة التي أفضت إلى قيام باكستان، في ترجمة المعنى: "إنما يقوم الفرد بصلته بالأمة، فمنفردًا لا شيء، والموجة في النهر، وخارجه لا شيء". هذه ليست ثلاثة شواهد متجاورة، إنها ثلاث صور لخطة واحدة: الرمح يكسر بعد فصله، والأمة تقهر بعد تفريق قلوبها، والموجة تزول بعد إخراجها من نهرها. الاجتماع هنا لا يضيف قوة فحسب، إنه يسقط أول خطوة في أي خطة تقوم على التفريق.

من عدسة التاريخ، لا تقدم الأندلس نبوءة تكرر نفسها، وإنما تكشف آلية. فحين انقسمت الخلافة القرطبية إلى ممالك الطوائف في القرن الحادي عشر، تحالفت بعض الممالك مع قوى مسيحية في الشمال ضد جيرانها، ودفعت إتاوات عرفت باسم Parias لقاء الحماية أو المساندة أو اتقاء الهجوم، حتى أصبح الخارج فاعلًا في صراعات الداخل. والدرس لا يشبه دولة معاصرة بممالك الماضي، وإنما يكشف الضغط الذي قد تتعرض له دولة صغيرة لجعلها ممرًا أو، بتعبير معاصر، حصان طروادة في صراع لا تختاره. وقد ترفع اتفاقية مكة كلفة الضغط عليها لتوظيف أراضيها أو قدراتها ضد أحد الأطراف، فتمنحها حجة أقوى للرفض وترفع عنها حرج الدور المفروض. وحين ترتفع كلفة الضغط على دولة من خارج الاتفاق لجعلها بوابة في الصراع، يتراجع الضغط عليها ويتسع هامش اختيارها.

من عدسة الاقتصاد، تبدو الاتفاقية تحالفًا استراتيجيًا (Strategic Alliance)، لا اندماجًا (Merger) يذيب الكيانات، فهي تجمع بعض قوة الحجم مع احتفاظ كل طرف باستقلال إدارته وقراره. ففي سوق الاستحواذات، قد يستهدف مستثمر مهاجم (Corporate Raider) شركة مقومة بأقل من قيمة أصولها، وتملك أصولًا يمكن بيعها منفردة، ويحاول السيطرة عليها باستحواذ عدائي (Hostile Takeover)، ثم قد يمارس تفكيك الأصول (Asset Stripping) وبيعها قطعة قطعة، فتفقد المؤسسة قيمتها الإنتاجية، وقد تنتهي أحيانًا إلى خردة مربحة للمستحوذ، قبل أن ينتقل إلى الشركة التالية. ولهذا طورت الشركات "حبة السم" (Poison Pill)، وهي دفاع يتيح، عند تفعيله، للمساهمين الآخرين شراء أسهم إضافية بشروط تضعف حصة المستحوذ وترفع كلفة السيطرة حتى تفقد الصفقة جدواها. وبالقياس لا بالمطابقة، يؤدي الالتزام الدفاعي المشترك وظيفة شبيهة بما يعرف اقتصاديًا بآلية حبة السم: بقيت السيادات منفصلة، ولم تعد فاتورة استهدافها تحسب منفردة. ولا تلغي هذه الآلية احتمال المحاولة، لكنها تصعب الاستفراد بطرف واستنزافه ثم الانتقال إلى التالي، حتى يبدو التفاوض أو صرف النظر أقل كلفة من السيطرة.

من عدسة المجتمع، يرسل إعلان الالتزام الدفاعي المشترك بين الدول الثلاث إلى شعوبها إشارة ثقة تتجاوز البيان الدبلوماسي. وتنتقل هذه الثقة من غرف القرار إلى الأسواق والجامعات وحركة الزوار حين تلحقها المصالح والسياسات المدنية، فتتراجع المسافة النفسية بين المجتمعات. وهنا تخصم الاتفاقية من قدرة خطاب العداء على إبقاء هذه المجتمعات متباعدة، فحين يصبح أمن كل طرف جزءًا معلنًا من أمن الأطراف الأخرى، يصعب أن يبقى مصيره منفصلًا عن مصيرها. فالاتفاقية تفتح الطريق، والمؤسسات والشعوب تجعله طريقًا مأهولًا.

من عدسة العقيدة العسكرية، تقدم الأسلحة النووية، في نظريات الردع، المثال الأقصى لسلاح تبلغ وظيفته الاستراتيجية ذروتها حين يبقى غير مستخدم، فاحتمال استخدامه يهدد بخسائر غير مقبولة وتصعيد يهدد الجميع ولا يضمن أحد نهايته. وخلال أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، أدرك الطرفان هذا الخطر، ثم وفرت المراسلات ومخارج التراجع طريقًا للخروج. فالردع الناجح يفسد جدوى الهجوم ويبقي منفذًا للتهدئة. والقياس على اتفاقية مكة هنا وظيفي لا تسليحي، إذ لا يفترض أن للاتفاقية بعدًا نوويًا، وإنما يقرأ أثرها في إعادة ترتيب حساب المعتدي. فهو لم يعد يحسب مواجهة دولة منفردة، إذ تقف أمامه في معادلة واحدة القوة الاقتصادية والمالية السعودية وثقلها السياسي وقدراتها الدفاعية، وقدرة التصنيع الحربي والخبرة التشغيلية التركية، وباكستان بثقلها العسكري ومكانتها كدولة مسلحة نوويًا. ولا يعني ذلك أن الاتفاقية أنشأت مظلة نووية مشتركة، فالمقصود هو الصورة الاستراتيجية التي يراها الخصم قبل أن يقرر. ولا تحتاج هذه القوى إلى أن تذوب في قوة واحدة كي تغير قراره، يكفي أن تدخل مجتمعة في فاتورة الاعتداء، فلا تعود كلفته قابلة للحساب على طرف منفرد.

من عدسة الاستراتيجية، يدخل المعلن كلفة الهجوم في الحساب، فيما تجعل مرونة الاستجابة تسعير تبعاته مسبقًا أصعب على المعتدي. وهذه هي مفارقة الردع في أثرها: وضوح في الالتزام، ومرونة في اختيار الاستجابة. يعرف المعتدي المحتمل أن فعله قد لا يبقى محصورًا، لكنه لا يعرف مسبقًا حدود التبعات. وكلما اتسعت أمامه شجرة الاحتمالات، توزعت حساباته، وارتفع عبء الاستعداد لها، وضاقت مساحة القرار الآمن. فالمعلن يردع، وتعدد الاحتمالات يبعثر الحساب.

وهنا يستعير المقال قاعدة استراتيجية: لا تمنح المعتدي المحتمل خريطة مسبقة لطريقة استجابتك. فمن يعرف حدود ردك كاملة يستطيع تصميم خطته حولها، أما من يجهل شكل الاستجابة فيضطر إلى حساب أكثر من احتمال. وهنا تلتقي العدسات السابقة: كل عدسة أغلقت أمام المعتدي بابًا، والاستراتيجية تمنعه من معرفة أي باب بقي مفتوحًا. وعندما تصبح كلفة الحساب جزءًا من كلفة الفعل، قد يبدأ أثر الاتفاقية بقرار عدائي لم يتخذ.

من عدسة القرآن، إذا كانت الاستراتيجية تربك حساب المعتدي المحتمل، فإن نسبة الاتفاقية إلى مكة ترفع سقف التوقع الأخلاقي من أطرافها جميعًا. تبقى الاتفاقية دفاعية وسياسية في توصيفها المعلن، ويحمل اسم مكة، في هذه القراءة الثقافية، دلالة أخلاقية في وجدان غالبية شعوب الدول الثلاث، فالقرآن مرجعية أخلاقية جامعة لدى غالبية شعوبها، من غير أن يحول ذلك الاتفاقية إلى تكتل ديني أو طائفي. وفي ميزان أخلاقي عام، يبدأ التوجيه القرآني بالإصلاح: "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما"، ثم يقرر، كمبدأ عام، أن رابطة الإيمان لا تمنع وقوع البغي ولا تعفي صاحبه من الرد: "فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله". ويأتي الإعداد في قوله تعالى: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة" ليدخل القدرة في حساب المعتدي قبل القتال، بينما يبقى طريق العودة مفتوحًا: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها".

ليست هذه الآيات توصيفًا قانونيًا للاتفاقية، ولا حكمًا دينيًا على طرف بعينه، إنها، في قراءة المقال، ميزان أخلاقي يستحضره اسم مكة. والفيء في سياق الآية هو رجوع الفئة الباغية عن بغيها إلى أمر الله، لذلك تبقى المساندة مرتبطة برد الاعتداء، ثم يعود الأمر بعد زوال البغي إلى الإصلاح والعدل. وهكذا ينتقل اسم مكة من عنوان للمكان إلى ضابط أخلاقي للقوة: إعداد يردع، ورد يتوقف بزوال البغي، وسلم يقبل متى جنح إليه المعتدي.

من عدسة الذكاء الاصطناعي، لا نطلب منه تعيين دولة بعينها، نستخدمه في محاكاة "فريق أحمر" تنظر إلى القرار من موقع معتد محتمل. يبدأ القرار بثلاثة أبعاد مباشرة: هدف يختاره، ورد يتوقعه، وكلفة يحسبها. ثم لا تتوقف المحاكاة عند الخطة، وإنما تتابع أثر تضييق الخيارات على صاحبها. وفي أحد السيناريوهات، قد يجد أن اتفاقية مكة بعثرت بدائله وأضعفت فرص نجاحها، فقد لا يضمن بقاء ضربة معزولة، ولا يطمئن إلى بقاء أثر التصعيد العسكري محدودًا. عندها قد لا يعود تعديل الخطة كافيًا، وقد تنتقل المراجعة من تفاصيل خطته إلى جدوى الخصومة نفسها. وهنا تجمع المحاكاة ما فرقته العدسات: كل قوة أضيفت إلى أطراف الاتفاقية خصمت من جدوى خيار لدى المعتدي المحتمل.

وقد يذهب الأثر أبعد، فيتغير موقعه نفسه، فيعبر من ضفة العداء إلى الضفة التي كان يستبعدها: حياد يراه أصلح لمصالحه، وجنوح إلى السلم من خارج الاتفاق. هنا تعيد المحاكاة، على نحو مجازي، قراءة المقولة الإنجليزية الشائعة: If you can’t beat them, join them. وفي هذه المحاكاة لا تعني join them مقعدًا رابعًا داخل الاتفاقية، إنها انضمام إلى أثرها مع البقاء خارج عضويتها.

وهكذا قد يكون أذكى اتساع لاتفاقية مكة خصمًا لم يدخلها، لكنه انسحب من معاداتها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.