كما أن هذا العلم نفسه يخبرنا بأن عمر الأرض يُقدَّر بحوالي 4 مليارات ونصف المليار سنة. ويخبرنا بأن الإنسان الأول كان يمشي على أربع، وأن بداية مشيه على قدميه، وتميزه عن بقية القردة العليا، كان قبل حوالي 6 إلى 7 ملايين سنة، اعتماداً على أقدم الأدلة الأحفورية الواضحة. وبعدها بمليونَي سنة تم اكتشاف أحافير جديدة أكدت، بأدلة أكثر وضوحاً، تزايد قدراته، وأشهر أمثلتها أحفورة «لوسي» (Lucy) المكتشفة في إثيوبيا، والتي عاشت قبل حوالي 3.2 ملايين سنة، وبيّن هيكلها العظمي، بوضوح تكيّفاً، مع المشي المنتصب.
وبناءً على السجل الأحفوري، أو الجماجم والهياكل العظمية المكتشفة، فيمكن تلخيص المسار التطوري بترتيب زمني تقريبي، حيث بدأ الإنسان بدماغ صغير، لديه سمات تسلّق الأشجار. ثم ظهر الإنسان الماهر، الذي يُنسب إليه صنع أدوات حجرية بدائية. ثم ظهر
الإنسان الهومو اركتوس (Homo erectus)، قبل حوالي مليوني سنة، وهو أطوال الأنواع بقاءً على الإطلاق، وأول من خرج من أفريقيا، الموطن الأصلي للبشر، وانتشر في آسيا وأوروبا، ونجح في التحكّم في النار، وفي صنع أدوات حجرية أكثر تطوراً، وكان حجم دماغه أكبر من أسلافه. كما كان هيكله العظمي أقرب لشكل الإنسان الحديث.
ثم جاء إنسان هايدلبرغ، وأقاربه، قبل حوالي 300 إلى 700 ألف سنة. وهو سلف مشترك محتمل لكل من إنسان نياندرتال والإنسان العاقل. وعاش إنسان نياندرتال في أوروبا وغرب، وانقراضه قبل نحو 40 ألف سنة. ثم جاء إنسان دينيسوفا، وهم مجموعة بشرية اكتُشفت حديثاً عبر الحمض النووي المستخرج من عظام في كهف بسيبيريا، تزاوجت جزئياً مع الإنسان العاقل، قبل أن ينقرضوا، ليظهر أخيراً الإنسان العاقل (Homo sapiens) الحالي، لأول مرة في أفريقيا قبل حوالي 300 ألف سنة، استناداً لاكتشافات جماجم في المغرب عام 2017، والتي أعادت كتابة الجدول الزمني السابق، والذي بدأ هجرته الكبرى من أفريقيا قبل حوالي 60 ألف سنة، منتشراً تدريجياً ليستوطن كل العالم تقريباً. وبحلول قرابة 40 ألف سنة مضت، أصبح نوعنا البشري هو الوحيد المتبقي على وجه الأرض بعد انقراض جميع الأنواع البشرية الأخرى. علماً بأن الاحفوريات، الموثقة، علمياً بينت اختلافات كبيرة في حجم الرأس وأطوال اليدين والرجلين، وارتفاع القامة، بين كل مرحلة وما بعدها.
* * *
بناء على هذا السرد العلمي المختصر، والشديد التعقيد، يأتي من يصف نفسه بـ«عالم لغة عربية»، ويقول، بكل ثقة وإصرار، بأن لديه ما يثبت أن «العربية» ولدت مع خلق «آدم». فاسم «آدم» ليس له معنى ولا اشتقاق، ولا تصريف، ولا دلالة، ولا جمع ولا تثنية، إلا في اللغة العربية، على الرغم من وجود الكلمة نفسها في «كل» لغات العالم (!!).
من حق من يشاء قول ما يشاء، فالمشكلة ليست فيما يقال، بل فيما ينشر والاستعداد الذي يبديه الملايين، من سذج ومتعلمين وأساتذة، في تصديق هذا «الهراء»، الذي لا يتسق مع أية حقيقة علمية. والمشكلة الكبرى أن هذا التصديق يشمل أموراً «خيالية» كثيرة أخرى.
أحمد الصراف

