مشروع «بنما» ليس عن قناة بنما المائية التي تقول أميركا إنَّها تملكها- يعني ترمب كان يحاول استنساخ بنما في هُرمز!- بل عن «بنما» أخرى، تتصل بتغوّل ماكينات الذكاء الاصطناعي المُرعب.
خلاصة القصّة، كما نشر تحقيقٌ مثير لـ«بي بي سي»، هو تسارع مبيعات الكتب المستعملة بوتيرة رهيبة خلال الفترة القليلة الماضية، هذا الشراء ليس من عشاق قراءة الكتب القديمة والمستعملة، بل المفاجأة أن هذا الشراء هو من شركات الذكاء الاصطناعي!
يقول التحقيق إنَّه بأسبوع اعتيادي، يبيع ستيوارت مانلي من مكتبة بارتر بوكس في نورثمبرلاند شمال إنجلترا، ما بين 2000 و3000 كتاب، لكن طلبية ضخمة واحدة حديثة من شركة كندية عادلت حجم ما يتوقع بيعه خلال 7 أيام... يقول ستيوارت إنه «لم يشهد شيئاً مماثلاً طوال 30 عاماً من العمل في تجارة الكتب المستعملة».
شركات ذكاء اصطناعي كبيرة مثل «أنثروبيك» هي التي تشتري هذا الشراء الشَّرِه للكتب المستعملة، وقد كسبت دعوى قضائية أُقيمت ضدّها بسبب هذه المسألة تتعلق بحقوق المؤلف. فما مشروع بنما؟!
حسب التقرير، فإنَّ هدف الشركة كان «إجراء مسح ضوئي إتلافي» لجميع الكتب في العالم... ويُقصد بالمسح الضوئي الإتلافي نقل الكتب إلى مواقع يمكن رقمنتها فيها على نطاق صناعي، ثم إتلاف الورق، وإعادة تدويره فبيعه.
يقول البعض- بعيداً عن الحنين الضعيف- إن في هذا حفظاً للمعرفة من الزوال، فالورق قابل للفناء، ثم إنَّ الورقَ يمكن الاستفادة منه كورق المناديل لمسح الوجوه مثلاً... صحيح أنَّ هناك نسخاً نادرة لكتب تعود للقرن الثامن عشر لم تبقَ منها إلا نسخ بعدد أصابع اليد أو نسخة واحدة أحياناً... لكن «مش مهم».
أنا لن أذرف الدموع على متاجر الكتب المستعملة، لكن أسالُ سؤالاً مِفتاحياً: هل «كل» المعرفة البشرية عبر القرون موجودة أصلاً في الإنترنت؟
ثم هل تقدر ماكينات الذكاء الاصطناعي على «شفط» كل المعرفة البشرية الموضوعة على الإنترنت، أقصد هل هناك أوعية حفظ تخصّ مكتبات خاصّة أو أنَّ الوصول إليها مُقيّد بقيود؟ وماذا عن عشرات الملايين من الوثائق الحكومية والقضائية والتجارية عبر العالم، التي هي غير متاحة للعموم؟
أعطيك هذا المثل العابر، بما تسمح به مساحة المقال: تقدّر الدراسات المتخصّصة في التراث العربي والإسلامي أنَّ نسبة المخطوطات المُحقّقة والمنشورة لا تتجاوز 5 في المائة إلى 10 في المائة من إجمالي المخطوطات الموجودة في العالم؛ ما يعني أن نحو 90 في المائة إلى 95 في المائة من المخطوطات لا تزال حبيسة الرُّفوف ومجهولة أو غير مُحقّقة.
ليس غرَضي التقليل من قدرات الذكاء الاصطناعي- هذا حمق- لكن أردتُ الإشارة إلى مناطق مهملة في مثل هذه النقاشات.

