ليس من الحكمة أن ننظر إلى مناخ الأرض وكأنه ظاهرة بسيطة لها مفتاح واحد. فالأرض عرفت عبر تاريخها الطويل عصورًا شديدة البرودة وأخرى أكثر دفئًا، وشهدت تقلبات امتدت لسنوات وعقود وآلاف السنين. والمناخ بطبيعته نظام ديناميكي معقد تتداخل فيه المحيطات والغلاف الجوي والنشاط البركاني والنشاط الشمسي ودورات الأرض، إلى جانب النشاط البشري الحديث.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين التغير المناخي الطبيعي والاتجاه المناخي طويل الأمد.
تظهر في السجلات المناخية دورات وتذبذبات متعددة المدد، وقد يلاحظ الباحثون أنماطًا تمتد لعقود أو فترات أقصر، تتخللها تقلبات قد تبلغ نحو عشر سنوات أو أكثر. وقد تُطرح كذلك دورات أطول، من بينها ملاحظات حول تكرارات تقارب ثلاثة عقود، إلا أن تحويل هذه الملاحظات إلى "دورة ثابتة" تعيد نفسها بدقة كل 32 عامًا يحتاج إلى أدلة أقوى من مجرد التشابه بين فترات تاريخية، فالنظام المناخي ليس ساعة ميكانيكية، بل منظومة شديدة التعقيد تتغير فيها قوة العوامل المؤثرة من عصر إلى آخر.
وفي المقابل، فإن ارتفاع تركيز غازات الدفيئة منذ الثورة الصناعية يمثل عاملًا مثبتًا علميًا في الاحترار الحديث. وتشير التقييمات العلمية الدولية إلى أن النشاط البشري، ولا سيما انبعاثات غازات الدفيئة، تسبب بصورة واضحة في ارتفاع حرارة الغلاف الجوي والمحيطات واليابسة.
لكن الاعتراف بهذا العامل لا يعني أن الإنسان يتحكم في كل موجة حر أو كل موجة برد أو كل عاصفة. فالتقلبات الطبيعية في المحيطات والغلاف الجوي يمكن أن تغير درجات الحرارة والأمطار من عام إلى آخر ومن عقد إلى آخر، كما يمكن للبراكين والعوامل الطبيعية الأخرى أن تؤثر في المناخ.
الشمس ليست العامل الحاسم
أما النشاط الشمسي والعواصف الشمسية، فهي ظواهر حقيقية ومؤثرة في بيئة الأرض الفضائية، لكن الأدلة الحالية لا تجعلها التفسير الرئيسي للاحترار العالمي الحديث. فالتغيرات في النشاط الشمسي خلال العصر الصناعي لا تكفي لتفسير مقدار الاحترار المرصود مقارنة بالتأثير الأكبر لزيادة غازات الدفيئة.
وهنا ينبغي أن يكون النقاش علميًا لا أيديولوجيًا، ضعف تفسير معين لا يعني أن جميع التفسيرات الأخرى متساوية، كما أن قوة تفسير معين لا تعني إلغاء بقية العوامل الطبيعية.
العلم والتمويل
ويبقى موضوع التمويل البحثي حساسًا. فالأبحاث المناخية تحتاج بالفعل إلى موارد ضخمة لمراقبة المحيطات والغلاف الجوي والأقمار الصناعية والجليد والنظم البيئية، ولذلك فإن وجود التمويل بحد ذاته ليس دليلًا على تضخيم النتائج.
لكن في المقابل، لا ينبغي أن يتحول حجم التمويل أو الاهتمام الإعلامي إلى معيار للحقيقة العلمية. فالنتيجة العلمية القوية هي التي تصمد أمام البيانات المستقلة، والمراجعة العلمية، وإعادة التحليل، والمقارنة بين النماذج والمشاهدات.
وهنا يجب التفريق بين العلم نفسه وبين الطريقة التي يُسوَّق بها العلم للجمهور. فقد تتحول نتائج علمية معقدة إلى عناوين مخيفة ومبسطة للغاية بحثًا عن الاهتمام الإعلامي أو الدعم السياسي والمالي. وهذا لا يعني بالضرورة أن أصل البحث خاطئ، لكنه يؤكد ضرورة قراءة الأدلة بعيدًا عن المبالغة.
لا إنكار ولا تهويل
الموقف الأكثر عقلانية ليس إنكار التغير المناخي، ولا تحويله إلى قصة كارثية واحدة تفسر كل ظواهر الطقس.
فالطبيعة تتغير، والمناخ يتقلب، والإنسان يؤثر، والعوامل المختلفة تتفاعل مع بعضها. والمهمة الحقيقية للعلماء ليست البحث عن عامل واحد يلائم موقفًا مسبقًا، وإنما قياس وزن كل عامل بدقة، ومعرفة أين يبدأ تأثيره وأين ينتهي.
إن قضية المناخ أكبر من أن تكون معركة بين مؤيدين ومعارضين. إنها قضية علمية واقتصادية وبيئية تمس مستقبل الطاقة والغذاء والمياه والصحة.
العلم لا يحتاج إلى التخويف كي يكون مهمًا، ولا يحتاج إلى الإنكار كي يكون نقديًا. والحقيقة المناخية الأقوى هي تلك التي تستطيع أن تواجه الأسئلة والشكوك والبيانات، ثم تبقى صامدة أمام الاختبار.
من زاوية الطب والعلوم الجزيئية
ولعل اهتمامي بهذه القضية لا يأتي من فراغ، فأنا أنظر إليها أيضًا من زاوية تخصصي في الطب والعلوم الكيميائية الحيوية الإكلينيكية والجزيئية. ومن هذا المنظور أرى أن التغيرات المناخية ليست قضية بيئية منفصلة عن الإنسان، بل قد تتقاطع بصورة مباشرة أو غير مباشرة مع اقتصادنا وصحتنا، ومع بيولوجيتنا وجيناتنا، بل ومع جينات الميكروبات والكائنات الدقيقة التي تعيش معنا وفي بيئتنا.
ولذلك فإن دراسة المناخ بالنسبة إليّ ليست مجرد دراسة لارتفاع درجات الحرارة، وإنما محاولة لفهم منظومة أوسع تتداخل فيها البيئة والاقتصاد والصحة والجينات والميكروبات.
وهذا تحديدًا ما يجعلني أؤمن بأن النقاش المناخي يجب أن يبقى مفتوحًا للبحث العلمي الدقيق، بعيدًا عن التهويل أو التبسيط أو تحويل العلم إلى شعار.
فالمناخ ليس مجرد قضية حرارة، إنه جزء من منظومة الحياة نفسها.


