: آخر تحديث

الصورة توقظ الحنين

8
10
8

للصورة سطوتها الخفيّة التي لا تنطفئ، فهي لا تكتفي بحفظ ملامح الزمن أو تثبيت لحظة عابرة في إطار جامد، بل تمتلك قدرة عجيبة على فتح نوافذ في الروح، نوافذ حسبنا أنها أُغلقت منذ زمن، فإذا بها ما تزال مواربة في أعماقنا، تنتظر ضوءًا صغيرًا كي تنفتح من جديد.

لا تحتاج الصورة إلى موعد لكي تعود، ولا إلى مناسبة تبرّر حضورها، فهي تقيم فينا بصمت، مثل ستائر شفافة معلّقة على واجهة الذاكرة، تهتزّ ألوانها كلما مرّت نسمة حنين، أو لامس القلب طيفُ مكان بعيد.

وقد تكفي نظرة واحدة إلى صورة قديمة كي تتبدّل ملامح اللحظة كلها، فنغادر حاضرنا من دون أن نتحرّك، ونجد أنفسنا فجأة في بيت رحل أهله، أو شارع تبدّلت معالمه، أو مجلس كانت تضج فيه أصوات أحبّة غابوا، لكنهم ظلوا أحياء في الوجدان.

في تلك المسافة الرقيقة بين ما تراه العين وما يرتجف له القلب، تنهض الصور من سباتها، وتطرق أبوابنا برفق.

توقظ أحلامًا ظننا أنها انطفأت، وتعيد إلينا وجوهًا خرجت من المشهد، لكنها لم تخرج من الداخل. نرى الابتسامات كما كانت، والملامح قبل أن تترك عليها السنوات آثارها، ونستعيد لحظات لم نكن نعرف، ساعة عشناها، أنها ستتحول يومًا إلى كنز صغير نحتمي به من قسوة الغياب.

ولعلّ أجمل ما في الصورة أنها لا تستعيد الماضي كما كان فحسب، بل تمنحنا فرصة أخرى لمصالحته. نعود إليها كي نفهم ما لم نفهمه آنذاك، أو لنغفر لأنفسنا تقصيرًا قديمًا، أو لنبكي بهدوء على ما فقدناه، أو لنبتسم من بعيد لزمن لم يكن كاملًا، لكنه صار عزيزًا لأنه لن يعود. فالماضي، حين يتحول إلى صورة، يفقد شيئًا من قسوته، ويكتسب مسحة من الصفح والحنان.

تخفّف الصورة، ولو قليلًا، من وطأة الأسى الذي نحمله بصمت، ومن شظايا الجراح التي نخفيها خلف ابتسامات عابرة. فالإنسان لا يملك أحيانًا سوى ذاكرته كي يحتمي بها من قسوة التحولات، ولا يجد أمام تبدّل الوجوه والأمكنة إلا صورة تقول له إن ما عاشه كان حقيقيًا، وإن الذين مرّوا في حياته لم يكونوا أوهامًا، وإن لحظات الفرح، مهما قصرت، تركت أثرًا لا تستطيع الأيام محوه.

هنا، في فيينا، حيث تتعانق الطبيعة مع التاريخ في مشهد يكاد يكون قصيدة مفتوحة على الضوء، تبدو الصور أكثر فصاحة. الأشجار تهمس بحكايات الفصول، والأبنية العتيقة تقف كأنها شهود على زمن لم يرحل تمامًا، فيما تمتد العمارة الحديثة بانسجام لا يقطع خيط الجمال، بل يعيد صياغته بروح أخرى.

في كل زاوية شيء من الوقار والسكينة، وفي كل شارع ما يوحي بأن الجمال ليس ترفًا، بل طريقة في فهم الحياة وترويض وحدتها.

غير أن هذا البهاء، على اتساعه، لا يستطيع أن يملأ كل الفراغات في الداخل. فهناك دائمًا مدينة بعيدة تنادينا، ووجوه أحببناها، وأزقّة تركنا فيها شيئًا من أعمارنا. هناك أبواب ما زالت في الذاكرة مفتوحة، وبيوت هُدمت أو تغيّرت، لكنها بقيت في الروح كما عرفناها أول مرة.

وهناك أمكنة لا تغادرنا، حتى وإن غادرناها، وأشخاص لا يشيخون في الذاكرة، مهما أنهكتهم الأيام في الواقع.

نسأل أنفسنا بصمت: أين هم الآن؟ وكيف تبدّلت ملامحهم؟ وهل ما زالوا يذكرون الضحكات الأولى، والمساءات القديمة، والطرقات التي كانت تجمعنا بلا موعد؟ وهل يحتفظون، مثلنا، بصورة أو ذكرى تعيدهم إلى الأيام نفسها؟

إن الغربة ليست ابتعاد الجسد عن المكان فحسب، بل هي أيضًا ذلك الشعور الخفي بأن جزءًا من العمر لا يزال هناك، ينتظرنا عند نافذة قديمة أو زاوية شارع أو عتبة بيت.

ومع ذلك، لا يخلو السؤال من عزاء، لأنه يذكّرنا بأن ما انقطع في الواقع قد يبقى موصولًا في الذاكرة، وأن المسافات لا تستطيع دائمًا أن تهزم المحبة. فالحياة، مهما قست وابتعدت بنا، تمنحنا قدرة خفية على التعايش مع الغياب، وعلى تحويل الفقد إلى معنى، والحنين إلى طاقة هادئة تساعدنا على الاستمرار.

هكذا نمضي في تفاصيل حياة بسيطة، نلتقط منها ما يعيننا على الوقوف، ونحاول أن نسلك طريقًا مستقيمًا، نمنحه من وعينا وصفائنا ما يكفي ليظل واضحًا. نحتفظ بصورنا لا لأنها أوراق أو ملفات محفوظة، بل لأنها أجزاء من ذواتنا، وشواهد على الذين كنّاهم قبل أن تعيدنا الحياة إلى أشخاص آخرين.

ونترك للآخرين فسحة لقراءة ما بين السطور، لأولئك الذين يمتلكون حدسًا يرى ما لا يُقال، ويشعر بما يتجاوز الكلمات. فالحياة، في نهاية الأمر، ليست سوى صورة كبرى تتداخل فيها الذكرى بالواقع، ويتقاطع فيها الألم مع الرجاء، ويتجاور الحضور والغياب. ومن هذا التداخل نصوغ حكايتنا الخاصة، نحملها معنا أينما ذهبنا، ثم نمضي، بينما تبقى الصورة خلفنا تحفظ ما عجز الزمن عن الاحتفاظ به.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.