: آخر تحديث

لحظة الحقيقة.. في وداع الورق!

3
3
3

هي لحظة الحقيقة الحزينة لكل من عاش مجد جريدة الرياض، وأيام الرياض، أن تتوقف المطابع بعد عقود طويلة حملت فيها الصحيفة أخبار الوطن وهمومه وأحداثه إلى الناس كل صباح، وأن تصبح تلك النسخة التي اعتدنا أن نراها على المكاتب وفي البيوت جزءا من الذاكرة.. لكن الحزن على الورق شيء، والحكم على مستقبل الصحيفة شيء آخر، فالوفاء للرياض لا يعني أن نطالبها بالبقاء بينما يتغير العالم من حولها، وإنما أن نسأل: ماذا بعد الورق؟

الحقيقة أن إيقاف الطباعة ليس تحولا رقميا في حد ذاته.. فمن السهل أن تنقل ما كنت تطبعه على الورق إلى شاشة الهاتف، وأن تستبدل المطبعة بمنصة، لكن ذلك لا يعني أنك أصبحت مؤسسة إعلامية رقمية؛ فالتحول الحقيقي يبدأ من إعادة التفكير في صناعة المحتوى نفسها، وفي طريقة الوصول إلى الجمهور، وفي الأدوات التي تصنع التأثير والعائد، وفي بناء غرفة أخبار تفهم لغة المنصات الجديدة، وتعرف كيف تحول اسم الصحيفة وتاريخها إلى حضور رقمي قادر على المنافسة والاستمرار.

والمشكلة أصلا لم تعد في وجود الورق أو عدمه.. المشكلة: هل يوجد محتوى يستحق أن يبحث عنه الناس؟ فالجيل الجديد لا ينتمي إلى الورق، ولن يذهب صباحا إلى مكان يبحث فيه عن صحيفة، لكنه في الوقت نفسه لن يبحث عن الرياض في هاتفه لمجرد أنها أصبحت رقمية.. فالهاتف الذي نريد الوصول إليه مزدحم بعشرات المنصات ومئات صناع المحتوى وآلاف الأخبار والصور ومقاطع الفيديو، والمنافسة اليوم لم تعد بين الرياض وصحيفة أخرى، وإنما على وقت القارئ وانتباهه.

لقد عشنا زمنا كانت فيه الصحيفة تصنع الخبر والرأي، وكان الوصول إلى الصفحة الأولى أو كتابة مقال فيها يعني الوصول إلى جمهور واسع ينتظرها في اليوم التالي.. أما اليوم فالخبر يصل إلى القارئ قبل أن تنتهي غرفة التحرير من صياغته، والصورة يشاهدها الملايين قبل أن تختار الصحيفة عنوانها، ولذلك لم يعد السؤال: من ينشر أولا؟ وإنما: من يقدم شيئا مختلفا يستحق أن يتوقف عنده الناس؟

الرياض تملك ما لا يمكن شراؤه بسهولة؛ اسمآ عريقا، وتاريخا طويلا، وثقة تراكمت عبر عقود، وأرشيفا يحكي جانبا مهما من تاريخ المملكة.. وهذه كلها أصول ثمينة في العالم الرقمي، لكنها وحدها لا تكفي، فالماضي العظيم لا يضمن المستقبل، وإنما يمنحك فرصة أفضل لصناعته.

سوف نفتقد رائحة الحبر، وصوت تقليب الصفحات، وصورة المقال في مكانه الذي اعتدناه.. لكن الرياض أكبر من الورق، والوفاء لها لا يكون بالبكاء على مطابعها، وإنما بأن نريد لها مكانا يليق بتاريخها في المستقبل.. فالصحف لا تموت عندما تتوقف مطابعها، وإنما تموت عندما لا يعود لديها ما يستحق أن يُقرأ.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد