ثلاثةُ انتخاباتٍ مهمة في شهري أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) المقبلين، تُعقد على الترتيب في كلٍّ من البرازيل، وإسرائيل، وأميركا.
ففي الرابع من أكتوبر، تُعقد في البرازيل الجولة الأولى من الانتخابات العامة: رئاسية، وبرلمانية. جميع مقاعد مجلس النواب (513 مقعداً)، وأغلبية مقاعد مجلس الشيوخ (54 من أصل 81 مقعداً)، فضلاً عن حكام الولايات. وهناك جولة ثانية من المحتمل أن تُعقد يوم 25 أكتوبر في حال فشل أيٍّ من المرشحين للرئاسة في الحصول على الأغلبية في الجولة الأولى. تُشير الترجيحات إلى أن الجولة الثانية ستكون بين الرئيس الحالي للبلاد لويز إيناسيو لولا دا سيلفا عن حزب «العمال»، وفلافيو بولسونارو نجل الرئيس السابق جاير بولسونارو. استطلاعات الرأي العام تميل لصالح الرئيس دا سيلفا بنسبة 48 مقابل 42 في المائة.
وفي 27 أكتوبر، تبدأ انتخابات الكنيست الإسرائيلي لانتخاب 120 عضواً في البرلمان، يعقبها تشكيل الائتلاف الحكومي، واختيار رئيس الوزراء الجديد. تُشير التقارير الإعلامية الغربية إلى منافسة حامية بين حزب «الليكود» بقيادة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وحزبٍ برز مؤخراً «يشار» يتزعمه ضابط سابق في الجيش الإسرائيلي برتبة رئيس أركان من أصول مغربية اسمه غادي آيزنكوت، والذي يتقدم القائمة في استطلاعات الرأي العام. وكما هو معروف، فإن الانتخابات الإسرائيلية القائمة على نظام التمثيل التناسبي لا تمنح فرصة لحزبٍ للحصول على أغلبية تتيح له الحكم منفرداً، بل لا بد من ائتلاف حزبي.
وفي الثالث من نوفمبر، تدخل أميركا الانتخابات التشريعية النصفية لانتخاب كامل مقاعد مجلس النواب الأميركي (435 مقعداً) و35 مقعداً من مقاعد مجلس الشيوخ الـ100، بالإضافة إلى انتخابات حكام الولايات في 39 ولاية، وإقليماً. وتكتسب هذه الانتخابات أهمية كبرى لتحديد موازين القوى في الكونغرس، وشكل السيطرة البرلمانية على التشريعات والسياسات العامة خلال النصف الثاني من الولاية الرئاسية للرئيس الجمهوري دونالد ترمب.
تعدُّ الانتخابات الثلاثة المرتقبة، في آراء الخبراء والمعلقين، ذات أهمية جيواستراتيجية مفصلية؛ إذ تعكس صراعاتٍ عميقة حول الحكم، والتوازن بين السلطات، ومستقبل التحالفات الدولية.
ففي البرازيل، يُنظر إلى الرئيس الحالي لولا دا سيلفا في حزب «العمال» باعتباره الشخصية الوحيدة القادرة على حشد تحالف واسع ومتنوع لمواجهة اليمين الراديكالي. ورغم أن الرئيس لولا دا سيلفا تجاوز الثمانين من العمر، فإنّه يتمتع بلياقة بدنية جيدة. وهو يرى أن ترشحه تفرضه الضرورة لحماية التجربة الديمقراطية، ومنع عودة اليمين البولسوناري ممثلاً في الابن فلافيو، ويرى كذلك أن إنجازاته الاقتصادية والاجتماعية تمنحه المشروعية لقيادة البلاد في هذه المرحلة الحاسمة.
وفي إسرائيل، كما أشرنا، يتوقع المحللون احتمال خسارة حزب «الليكود»، وسقوط نتنياهو؛ حيث تخوض أحزاب المعارضة والتكتلات المنافسة معركة شرسة ضد ائتلاف «الليكود»، مستفيدة من التوتر حول ملفات التجنيد العسكري للحريديم، والأزمات السياسية والأمنية الممتدة. وتفضي خسارة «الليكود» وخروج نتنياهو من الحكم إلى تغيير خريطة الائتلافات، بفتح الباب أمام حكومة أكثر اعتدالاً، كما تؤدي إلى تجريد نتنياهو من الحصانة السياسية التي كانت تحميه، وتحول دون مقاضاته في قضايا الفساد المرفوعة ضده.
وفي أميركا، ستكون الانتخابات بمثابة استفتاء مباشر على أداء إدارة الرئيس ترمب. وفي حال فوز «الحزب الديمقراطي» بالأغلبية في مجلس النواب أو الشيوخ (أو كليهما)، ستصاب إدارة الرئيس بالشلل، ويفقد القدرة على تمرير القوانين والتشريعات الرئيسة بسهولة، وسيضطر للاعتصام بالقرارات التنفيذية. ويبقى من المهم الإشارة إلى أن الأغلبية في الكونغرس تمنح اللجان البرلمانية صلاحيات عديدة، من أهمها استدعاء المسؤولين، وطلب الوثائق، وتمحيص سياسات الإدارة المالية والخارجية بشكل صارم.
يبدو خريف 2026 موسماً حاسماً في المشهد السياسي الدولي. ثلاثة انتخابات، وإن اختلفت سياقاتها ودوافعها، تتقاطع في أنها قد تُعيد رسم موازين القوى في أميركا اللاتينية، والشرق الأوسط، والولايات المتحدة على حد سواء.
يواجه الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا اختبار الاستمرارية في ظل انقسام برازيلي حاد، ويخوض رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو أهم انتخابات في حياته السياسية، فيما تترقب واشنطن بقلق نتائج الانتخابات، لأنها قد تُعيد تشكيل موازين الكونغرس في منتصف ولاية الرئيس ترمب الثانية.
اللافت للاهتمام أن نتائج هذه الاستحقاقات، مجتمعةً، لن تقتصر تداعياتها على حدود كل بلد، بل ستمتد لتؤثر في مسار السياسة الدولية خلال السنوات المقبلة.

