الأحلافُ العسكرية مهمتُها توفيرُ مظلةٍ أمنية أو عامل ردع، ليتيقَّن المعتدي أن مضار عدوانه تغلبُ منافعه؛ والتحالف ليس مقصوراً على الصداقة؛ بل هو مقايضة تحقق بها كل دولة هدفها؛ فالسياسة ليست بازاراً خيرياً، إنَّما هي مصالح. والاتفاقية بين المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا تستهدف تلك المصالح المفترضة، وتحقيقها يقوي الاتفاقية، ويُحفز دولاً أخرى على الانضمام. وهذا ما قاله موقعو الاتفاقية بأنها مفتوحة لدول أخرى، وليست بديلاً لأي تحالف آخر.
وإذا نظرنا لمنطقة الشرق الأوسط فسنرى دولتين ترغبان في السيطرة والنفوذ، وتتسلحان بآيديولوجية توسُّعية، ولا تقيمان وزناً للقانون الدولي، وحسن الجوار: الأولى إسرائيل المرتكبة لفظائع في غزة ترقى لمستوى «الإبادة»، وتحتل أراضي في لبنان وسوريا، ولم تسلم من عدوانها حتى دولة قطر. والثانية إيران المؤدلجة، بميليشياتها المسلحة، والتي تستهدف دول الخليج بذريعة محاربة أميركا. ولا عجب إذن أن تتوجه لهما الأنظار بما تقومان به، ويرتسم تساؤل: كيف يمكن الردع؟!
المملكة تسعى من خلال هذه الاتفاقية لتحقيق سلام في المنطقة عبر استعادة توازن القوى، وبناء منظومتها الدفاعية، والانصراف إلى تحقيق رؤيتها الاقتصادية الكبرى. وتركيا تطمح لدور أكبر في المنطقة، وتعزيز أمنها في البحر الأحمر، وتطوير صناعاتها باستثمارات مالية تنطوي على قبولها بنقل التكنولوجيا للشريك المستثمر، علاوة على ترويج سلعها في سوق المنطقة الواسع. أمَّا باكستان المتحالفة أصلاً مع المملكة فستكسب بانضمام تركيا تعاوناً أوسع في الصناعات العسكرية، والدعم الاقتصادي، وستحظى بثقل سياسي في منطقة استراتيجية تكسب بها احترام دول كبرى كأميركا والصين.
بهذا التحالف سيتغير وجه المنطقة، لوجود لوجود روادعَ قوية إذا تهربت أميركا من التزاماتها. وهذا التطابق بالمصالح دفع موقِّعي الاتفاقية للقول: «أي اعتداء على دولة سيكون بمثابة اعتداء على الدول الأخرى». وهذا النَّص يحاكي المادة الخامسة لحلف «الناتو» التي تشترط أنَّ للدولة الحقَّ في اتخاذ «الإجراء الذي تراه ضرورياً»، ومعناه أنَّه لا يوجد التزام عسكري فوري. وبما أننا لا نعرف تفاصيل الاتفاقية الثلاثية، فقد لا يكون هذا الاشتراط موجوداً، وإذ وُجد فهو من باب الغموض الاستراتيجي الأكثر نفعاً، لمنحه موقِّعي الاتفاقية قدراً من الاستقلالية، كما أنه يربك حسابات الدولة المعتدية لغموض كيفية الرد.
وبما أن إيران وإسرائيل هما المزعزِعتان للمنطقة، فإن ردَّيهما على الاتفاقية اختلفا في الشكل وتوحَّدا في المضمون: وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اعتبر الاتفاقية مفيدة لوحدة الدول الإسلامية، ونافذة تمهد لخروج الغرباء (أميركا) من المنطقة، ولكن متشددي إيران صنفوها تهديداً مباشراً لجمهوريتهم الثورية. أما إسرائيل فرأتها خطراً عليها وعلى مصالحها في المنطقة. ومهما كان ردهما فهما يدركان أن التحالف يُضيِّق خياراتهما العسكرية. قد تؤدي الاتفاقية إلى تحالفات مضادة في المنطقة، ولكن ذلك لن يؤثر في الهدف الاستراتيجي وهو تحقيق توازن القوى؛ فالتحالفات المتضادة، خلاف الاعتقاد، تقلل الحروب، وتفتح آفاق تعاون بين الخصوم؛ ففي قمة الحرب الباردة أطلق الأمين العام للحزب الشيوعي ليونيد بريجنيف نظرية التعايش السلمي مع أميركا الرأسمالية. وهذه النظرية لم تأتِ من فراغ؛ بل من معرفة الجميع بأنَّ الحرب مكلفة للجميع، والأفضل التعايش بدلاً من التحارب. الثابت أنَّ موازين القوى في المنطقة مختلة لصالح إيران وإسرائيل، والتدخل الأميركي لم يردع إيران، ولم يوقف التوغل الإسرائيلي، وهذه المنطقة حيوية بحيث لا تحتمل حروباً غير متوازنة. والتحالف يعدُّ باكورة مهمة لإعادة التوازن، بعدما تبيَّنتِ الحيرة الأميركية، والغياب الصيني، والانسحاب الروسي من المنطقة.
وارتباط دول التحالف مع دول صديقة ومعادية يخدمها دبلوماسياً وسياسياً؛ فالمملكة علاقتها قوية بالهند غريمة باكستان، وكذلك تركيا وباكستان بإيران وأميركا، وهذا يوفر منصة حوار دبلوماسي، وعلاقات تجارية، تساهم في نزع فتيل عدوان محتمل، وتقلل من فرص المواجهة العسكرية. فالمملكة قد تكون وسيطاً بين الهند وباكستان، وباكستان قد تكون وسيطاً بين إيران ودول الخليج، وتركيا قد تكون سداً أمام تهديدات إسرائيلية في لبنان أو سوريا. ودول الاتفاقية قادرة على ممارسة الضغوط على أميركا لحمل إسرائيل على القبول بتسوية عادلة لقضية فلسطين؛ وقادرة كذلك على حمل الصين -وحتى روسيا- وغيرها على الانضمام لتسوية تعيد التوازن لمنطقة الشرق الأوسط.
اتفاقية مكة نقلة نوعية، كما قال المؤرخ الروماني فلافيوس ريناتوس، لكسب الحرب قبل خوضها؛ لأنَّ المعتدي سيدرك نظرياً أنَّ خصومه أكثر استعداداً، وردعاً، وسيعرف عملياً إذا ما غامر ماذا سينتظره من مفاجآت.

