يستخدم شعار "أميركا أولًا" في الخطاب السياسي الأميركي المعاصر تعبيرًا عن أولوية المصلحة الوطنية. غير أن الشعار يحتمل تفسيرين متباعدين في الجوهر بالرغم من اتفاقهما في اللفظ. أحدهما يرى المصلحة الأميركية في شبكة من العلاقات المستقرة والمنافع المتبادلة، والآخر ينظر إلى العلاقة مع الحلفاء بمنطق الصفقة، ويقيس نجاحها بما ينتزعه منهم من تنازلات ومكاسب.
فالتحالفات ليست صدقة تُقدَّم للآخرين، ولا مجرد عبء تتحمله الدولة الأقوى، بل أدوات استراتيجية توزّع الأعباء وتوسّع مجال الحركة والنفوذ. وحين تُبنى على قدر معقول من الثقة والاستقرار والمصلحة المشتركة، تتحول إلى رصيد طويل الأمد. أما إدارتها بمنطق الإكراه وانتزاع أقصى تنازل في كل صفقة، فتفقدها قيمتها تدريجيًا، وتدفع الحلفاء إلى التحوط والبحث عن بدائل.
أما التفسير الثاني، الذي يظهر بوضوح في بعض ممارسات إدارة ترامب وخطابها، فيقيس نجاح "أميركا أولًا" بما تستطيع واشنطن تحصيله مباشرة من الطرف الآخر، ويتجاهل هذا المنطق أن الثقة نفسها أصل استراتيجي، فعندما يشعر الحليف بأن هذه الإدارة قد تعيد النظر في التزاماتها تجاهه تبعًا لمقتضيات الصفقة، تتراجع قيمة تلك الالتزامات في حساباته.
ويظهر هذا المنطق في أكثر من مجال. فقد استخدمت إدارة ترامب الرسوم والتهديد بها للضغط على الحلفاء في كندا وأوروبا وآسيا، وضغط ترامب لزيادة ما يتحمله الحلفاء من أعباء الدفاع، ولوّح بربط الحماية الأميركية بذلك، وامتد الضغط إلى قضايا سيادية مثل غرينلاند. وخلال حرب إيران، التي عرّضت دول الخليج لتداعيات أمنية واقتصادية مباشرة، ظهر المنطق المعاملاتي في اقتراح استيفاء 20 بالمئة من قيمة الشحنات المارة عبر مضيق هرمز مقابل تأمين الملاحة، قبل التراجع عنه. وهي ملفات متباينة، لكنها تكشف نزعة متقاربة إلى إعادة حساب العلاقة مع الحليف بمنطق الكلفة والعائد كلما تغيرت الظروف.
وليس هذا التوتر بين المصلحة والتحالف وليد إدارة ترامب. ففي ثمانينيات القرن الماضي كانت اليابان من أوثق حلفاء واشنطن، وتعتمد عليها أمنيًا بدرجة كبيرة، فيما كان السوق الأميركي ركيزة أساسية لازدهارها الاقتصادي. وحين تضخم الفائض التجاري الياباني، واشتدت منافسة صناعاتها للمنتجات الأميركية، وارتفعت قيمة الدولار، تغيرت لغة التحالف. فقد استخدمت واشنطن ثقلها الاقتصادي والأمني للضغط على طوكيو، وجاء اتفاق بلازا عام 1985 لخفض قيمة الدولار أمام العملات الرئيسية، وفي مقدمتها الين الياباني، في ذروة تلك الضغوط. كان الاتفاق متعدد الأطراف في شكله، لكن اليابان كانت في قلب المشكلة التي أرادت واشنطن معالجتها، وكانت الأكثر تأثرًا بنتائجه السلبية على اقتصادها لاحقًا.
وتكشف التجربة اليابانية والتجارب اللاحقة لدول أخرى حدود التحالف حين تتعارض المصالح. فالتحالف مع القوة العظمى لا يلغي تفاوت القوة، ولا يضمن ثبات قواعد العلاقة. وحين يصبح ازدهار الحليف نفسه مصدر قلق للمصلحة الأميركية، يتحول إلى منافس خطير ينبغي كبحه.
والفارق بين التفسيرين هو المدى الذي تُقاس به المصلحة. فالمصلحة الوطنية لا تُقاس بما يتحقق في أسابيع، بل بما يبقى أثره لعقود. وقد يحقق الضغط المستمر على الحلفاء مكاسب تكتيكية سريعة، لكنه يضعف أحد أهم مصادر قوة الدولة العظمى، وهو مصداقية تعهداتها. وحين تهتز الثقة، يعيد الحلفاء والخصوم حساباتهم على أسس مختلفة.
إن المصلحة الأميركية لا تتحقق بإضعاف شبكة علاقاتها، وإنما بجعل هذه الشبكة تعمل لصالحها على المدى الطويل. أما منطق "أعطوني أو أعاقبكم" فيحوّل التحالف من أداة استراتيجية إلى علاقة يحكمها الارتباك، والارتباك لا يصنع حليفًا موثوقًا.
ليس السؤال إذن هل يجب أن تكون أميركا أولًا، فكل دولة تضع مصالحها أولًا. السؤال هو بأي معنى؟ هل ببناء قوة مستدامة تستند إلى الثقة والمصالح المتبادلة، أم بانتزاع أقصى ما يمكن من الحليف في لحظتها الحرجة، ولو كان الثمن إضعاف ما يمنح أميركا قوتها على المدى الطويل؟ وهنا تظهر حقيقة التحالف، فالتحالف الحقيقي لا يُختبر عند توافق المصالح، بل عند اختلافها.


