بعد انتفاضة آذار (مارس) المباركة 2004، طُرح سؤال جوهري، فحواه: هل ما يدور مجرد حدث؟ أم انتفاضة؟ أم هبة؟ أم ثورة؟ كانت لجميع من واجهوا النظام، ميدانيًا أو حتى كتابيًا، وقد يسخر أحدهم من المرتكين على صفحاتهم قائلاً: أية مواجهة هي الكتابة؟ وهذا من حقه، ولكن لعلمه، لقد كانت الكتابة أحد عناصر أو دوافع صناعة أي موقف ميداني، تضيء الواقع، وتدعو للمواجهة، وتحضر في صناعتها، وتظل مستمرة حتى بعد انتهاء المواجهة، وليس أدل على ذلك من أن انتفاضة آذار (مارس) التي تمت في يومي 12-13 آذار (مارس) 2004، فإن مواجهة الشباب المنتفض، الثائر، تمت فعليًا، بيد أن كتابات بعض كتابنا وأصحاب الموقف هي التي استمرت، من دون أن نتجاهل أدوار من ظلوا يعملون ميدانيًا في الحوارات الوطنية، أو المواجهات، أو الحيز الدبلوماسي، إن وجد، وكان السند الأكبر في ذلك: الإعلام وحراك الشباب في أوروبا والعالم.
أتذكر أن الشهيد د. محمد معشوق الخزنوي قال في هذا الصدد: إن العصفور، بالرغم من ضعفه، إذا ابتل جناحاه انتفض!
نوستالجيا
هذا ما تذكرته ليلة دعوة قرية خريجكة إلى مظاهرة على الطريق الدولي، بالاشتراك مع القرى المجاورة، بعد الدعوة الشجاعة لأهالي قرية كرصوار، ووقفة أهالي هذه القرية والقرى المجاورة إلى جانبهم، لمنع تنفيذ مخطط الخانات المريب، ألا وهو سلب ملاكي قرية كرصوار بعض أملاكهم وبناء مدينة من خانات، علوة، مسالخ أغنام وأبقار، محال قصابين، إلخ، وليس لنا، حقيقةً، في هذه القرية غير الجامع المسمى باسم جدي، إذ قرأت في صفحة قرية خريجكة دعوة إلى أهالي منطقة سنجق للمشاركة، في وقفة احتجاجية على غلاء أسعار المحروقات والغلاء وانعدام الكهرباء وغير ذلك، على الطريق الدولي في قرية خزنة، كعنوان لتنفيذ الاحتجاج!
لا أخفي أن هذه الدعوة دغدغت مشاعري لدواع عديدة، أولها أنني مع أي احتجاج، تظاهرة، اعتصام، شريطة أن يكون سلميًا، من قبل المواطن المظلوم في مواجهة آلة فساد أو استبداد، أية كانت هويتها، ثانيها أن كلاً من أبي، جدي، أجدادي ينحدرون من هذه المنطقة في دورة الانتقال الكردي بين الجبل والسهل، وإن كانت أراضي قريتنا جمرلو مشطورة إلى قسمين، قسم منها يقع ضمن ما يسمى فوق الخط/ تركيا، وهي مغتصبة وفي حوزة آخرين هناك، والقسم الآخر من أملاك قريتنا غدت ضمن ما يسمى تحت الخط/ سوريا، وهي الأخرى استثمرها بعض أفراد آل حاجو الكرام التي بين عائلتينا خؤولة متبادلة، لداع مختلف، ولنا في ذلك قصة أليمة، قبل أن تشمل ضمن إطار ما سمي بالحزام العربي الذي تصادف اليوم ذكراه، أي توزعت أملاك قرية جدي بين خريطتي: تركيا وسوريا المستجدتين، الطارئتين، بل إن ضريح جدي الشيخ حسين شيخ سعيد محاصر، أسير، في أرضه المصادرة* المقتسمة بين عائلتين في تركيا وسوريا، في منطقة الألغام بين الحدود اللاحقة، المصطنعة، بيد أن ضريح نجله الشيخ يوسف في أعلى قرية محمد ذياب، ناهيك عن قبر جدي، أمي، عمومتي، عماتي، طفلي البكر حسن، في قرية خزنة، من دون أن أنسى مرابع ذكرياتي في خريجكة، كرصوار، تل معروف التي سماها جدي الشيخ إبراهيم واستحصل عليها لآل الخزنوي، وفيها ضريح أبي، إلخ.
مع الاحتجاج… مع الانتفاضة
هل استطردت؟ أجل، أعترف بذلك، لا بد أنها النوستالجيا إلى الوطن، الأهل، بعد أن اضطررنا لمغادرة الوطن مكرهين، بسبب طغيان نظام البعث/ الأسد، وما تركه خلفه من شرور، تفاقمت بعد سقوط الأسد، وبلغت أوجها، بما يحدرها إلى الحضيض غير الإنساني، الحضيض الذي جعل الوطن سجنًا، والمواطن فريسة لامتصاص دمه، ولهذا فإن من شأن ذكر مفردات هذه الحديقة من الأسماء أن يوقظ في الروح براكين الحنين، ويجعلني أتحمس، وأنصف مثل هذه الدعوة الشجاعة، لا سيما أن دعوة أصغر خلية اجتماعية في هيكل خريطة الجزيرة، الوطن، سوريا، تفتح نافذة التفاؤل على مصاريعها، لنوقن أن ما فرضه نظام البعث، ومن ثم بعض الفاسدين من الوكلاء الذين استورثهم باسمنا، لا يمكن لهم أن يستمر، وأن المجوَّعين الموجوعين لن يسكتوا على الضيم والذل، وأن رسالة المحتجين واضحة القراءة من لدن كل طاغية، أينما كان موقعه، طالما أنه مدع، لا علاقة له بأية قضية خارج أناه المتورمة، الذاتية والأيديولوجية/ الحزبوية، وما المواطن إلا مجرد مشروع ذريعة، وسيلة لمواصلة الاتجار بالدم وممارسة السطو باسمه، وأن ثورة السوريين، على امتداد عقد ونصف العقد من الزمن، لم تحقق ما انطلق من أجله الثوار الحقيقيون، ولا أعني كل من يدعي ويزعم، اليوم، أنه ثائر، لمجرد أنه صاحب صفحة فيس بوك، أو منصة تواصل، أو بندقية مأجورة، أو له اسم في سجل القبض من أموال تركيا، الخليج، أو في سجل النهب باسم الثورة، لأن الثائر هو غير ملوث اليد بالمال السياسي، والدم الآدمي، وما كل مدع، أية كانت هويته التابعة لهذا الأمير الحربي أو ذاك، اعتدى على أي سوري ظلمًا، إلا وهو مقيد، ملوث الاسم، ضمن هذا السجل الأسود، أيًا كان موقعه، وإن كان هناك من يحاول أن يجعل حتى من فلول داعش والتنظيمات الراديكالية وبطاناتهم أبرياء، عبر محاولة امتطاء مركبة السلطة الجديدة التي تدرك كنه ماهياتهم، وزئبقيتهم، وترجرجهم، وزكزاكياتهم المتذاكية، الغبية، حتى وإن ضمت أبعاضهم، وسيدتهم، بروائحهم النتنة، بعيدًا عن تقويمي هنا لها، في المقابل!
وإذا كنت، هنا، أتحدث عن الشأن السياسي الذي يتحاشى من دعوا إليها، وهم معروفون، تسييسها، لأنها احتجاجات الكرامة، المطلب اليومي، حتى وإن تمت محاولات محو ملامح رؤيتهم، من قبل دخلاء لهم باع طويل في نصرة هذا الظالم أو ذاك، إلا أن المطالبة بالرغيف، الماء، الكهرباء، الهواء النظيف، من مفردات الكرامة التي استُلبت حتى هذه اللحظة في كل بقاع سوريا، وما تصفيق المهرجين، وظهور بعض منظري الانتهازية، إلا محاولة لتأجيل توجيه بوصلة التاريخ في اتجاهها الصحيح، وفق دورة الزمن الأكيدة التي تشكل روح و"مسمار" أمان مستقبل أية ثورة. إن كرامة إنساننا هُدرت في ظل نظام البعث/ الأسد، إلا أنها تُهدر اليوم، بشكل ناعم، تصاعدي، متفاقم، بما يبزّ ما تمّ، ولا فصيل طغيان وسطو وهدر دماء، إلا وهو شريك في هذه الجريمة المفتوحة، ويجب أن يقدموا جميعًا لمحاكم العدالة الانتقالية، الضميرية، التي يجب أن تشكل من قبل الأحرار السوريين، وليس على نحو فوقي، مؤدلج، ليُثأر باسمها من قاتل ما، ويكافأ باسمها آخر أشد إجرامًا.
ما أريد أن أخلص إليه، أن روح الثورة الجديدة تظهر، وقد تهمش لتنتهي، وتذوب، آنيًا، وقد تخترق كما اخترقت ثورة 2011، ببعض مدعي اليوم، إلى أجل قريب أو بعيد، لأنه ما من أمير حرب، بمعزل عن معرفة الثوار الحقيقيين بحقيقته، مهما تسلح بهذه البندقية، أو تلك، لذلك فإن هؤلاء القتلة من شأنهم أن يؤلبوا المكونات على بعضها بعضًا، من أجل تمرير مخططاتهم، بالإضافة إلى أمر جد خطير، ألا وهو أن هذا الحراك الثوري المستجد عليه أن يستفيد من دروس وخبرات المرحلة السابقة، لا سيما أن بينه الكثير من المناضلين الحقيقيين الذين يتذكرون كيف سرقت منهم الثورة، وبات الدعي ثائرًا، والثائر دخيلاً، سواء أكانوا كردًا، أم سوريين ليسوا من الببغاوات المصفقين لأية سلطة أمر واقع، وهذا ما يفرض اعتراف كل طرف بحق الآخر، بعيدًا عن أي استقواء بالعابر.

