: آخر تحديث

"المخزن المغربي"... مرة أخرى

35
60
51

لا تكفّ الجزائر ومنظوماتها الإعلامية عن ترديد سرديات تتهم "المخزن المغربي" و"الصهيونية" بالوقوف وراء مشاكلها الداخلية ومشاكل الإقليم، بدءاً من عدم سقوط المطر، وصولاً إلى حدوث الفيضانات والسيول أو اندلاع الحرائق في الغابات وأشياء اخرى. ويتكرر سلوكها كلما ارتأت ضرورة إلصاق كل المشاكل التي تواجهها بممارسات عدو أو أعداء خارجيين مفترضين. 

لعل الهدف الأول والأخير من وراء ذلك هو توجيه نظر الرأي العام الداخلي الجزائري إلى الاهتمام بقضايا لا تعنيه البتة، وإلهاؤه بأشياء لا تساهم قيد أنملة في إيجاد حلول لمشاكله الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة والمتشابكة والمستعصية.

إن محاولة الجزائر طرح سردية تربط "المخزن" بـ"الصهيونية" لغاية في نفس يعقوب، هي، في الحقيقة، مجرد تفكير أماني لا يرتفع عن كونه نكتة تثير السخرية جراء كثرة تكرارها ونمطيتها. إننا هنا أمام منتج إعلامي جزائري خالص، موجه بالدرجة الأولى للاستهلاك الداخلي.

تعجّ صحف الجزائر ووسائل التواصل الاجتماعي فيها، حتى التخمة، بالعناوين الفضفاضة حول "المخزن"، وهي عناوين تجعل الجزائري الذي يقرأها يعتقد أنه أمام "جاك السفاح"، أحد عتاة الجريمة في حي وايت تشابل في لندن عام 1888، وليس أمام مؤسسة دولة عريقة يزيد عمرها عن 12 قرناً.هذا يجعلني أكرر الحديث عما ذكرته سابقاً في هذه الزاوية، وأقول للذين تعوّد لسانهم على أن يلوك كلمة "المخزن" باعتبارها كلمة قدحية: "يا ليتكم تتوفرون في بلادكم على مخزن، أي مؤسسة حاكمة ديدنها تحقيق الاستقرار والأمن والتنمية".

يعرف المسؤولون الجزائريون حقيقة واقع الأمر جيدا . وأستحضر هنا ما قاله، قبل عدة سنوات، مسؤول جزائري كبير لمبعوثين من العاهل المغربي الملك محمد السادس، من أن المغرب محظوظ لأنه يوجد فيه «مخزن». وزاد قائلاً، وخيبة أمل كبرى تبدو على محيّاه: «نحن أكبر مسؤول لدينا يمسح حذاء أصغر عسكري في البلد»، وفق ما رواه لي أحد هذين المبعوثين.

وعكس ما تبتغيه الجزائر من وراء شيطنة منظومتها الإعلامية لكلمة «المخزن»، يبقى هذا الأخير عنواناً ساطعاً للحكمة التي جعلت المغرب يتشبث بالخيار الديمقراطي، رغم حرب الصحراء الظالمة التي فُرضت عليه، عسكرياً ودبلوماسياً، من طرف الجزائر وليبيا(العقيد معمر القذافي)  منذ عام 1976.

فرغم كل ذلك، لم تضطر الرباط إلى سلوك الطريق الأسهل الذي تنتهجه الأنظمة العسكرية، أي فرض حالة استثناء أو طوارئ متواصلة ما دامت البلاد تعيش حالة حرب.

لقد ظلّ «المخزن» حامي الحمى، والمدافع الأمين عن وحدة تراب البلاد، وفي الوقت نفسه بانيَ البلد ومطوّره. وذاك، لعمري، ما عكّر صفو المزاج الجزائري، وجعله أكثر صلافة أمام صلابة «المخزن» في الذود عن مصالح دولته.

إن كلمة «المخزن» مشتقة من كلمة «خَزَنَ»، أي المكان الذي تُحفظ فيه الأموال والمؤن، بمعنى «بيت المال» أو الخزينة. ومع تطور الدولة المغربية العريقة، أصبحت هذه الكلمة تعني جهاز الحكم ( السلطة المركزية) ، الذي كان ولا يزال يعمل باسم السلطان سابقاً أو الملك لاحقاً.

وللاطلاع أكثر على مفهوم «المخزن»، وفهم دلالاته، ومعرفة سياقه التاريخي وظروف تبلوره، والشفاء من متلازمته ، يمكن العودة إلى المكتبة المغربية التي تعجّ بعشرات المؤلفات حول «المخزن وتاريخه» في المغرب، من ضمنها كتاب «مؤسسة المخزن في تاريخ المغرب» للباحث المغربي محمد جادور. والكتاب، في الأصل، هو أطروحة دكتوراه نوقشت يوم 6 تموز/يوليو 2004 في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط.

تهدف الجزائر أيضاً من خلال وضع مفهومي «المخزن» و«الصهيونية» في سلة واحدة، إلى دغدغة عواطف الشعوب المناصرة للقضية الفلسطينية، لاعتقادها أن ذلك كفيل بالتغطية على مشاكلها واختلالاتها، وتحسين صورتها، بما يمنحها مكانة عليا في قلوب تلك الشعوب وعقولها.

إن معركة اللعب بالمصطلحات لا يمكن أن تحجب حقيقة التاريخ، ولا أن تصنع واقعاً جديداً بديلاً. فـ«المخزن» ليس شتيمة سياسية، كما أن محاولة توأمته مع «الصهيونية» لا تمنح هذه السردية صدقية إضافية؛ فقد سئم الناس من سماع مثل هذه الخطابات التي أكل عليها الدهر وشرب ، ولم تعد ملائمة للواقع الراهن .

ولئن انشغلت بعض الأصوات الجزائرية بصناعة الأعداء ، وتوزيع الاتهامات ، ورفع وتيرة البروباغندا، فإن الأسئلة الحقيقية تظل مرتبطة بالتنمية والاقتصاد والحريات ومستقبل الأجيال. أما المغرب، بمؤسساته وتاريخه وتراكماته، فسيواصل ،بلا هوادة، الدفاع عن مصالحه، وتجاوز العثرات التي تعترض طريقه، وهي عثرات يستخلص منها الدروس ، وتزيده قوة أكثر مما تضعفه. وكل ذلك يجري بعيداً عن الضجيج، وبما تقتضيه حكمة الدولة وصلابتها.

 

 

 

 

 

 

 


 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد