سارا القرني
هل يمتلك الجميع فعلًا وقتًا طويلًا يقضونه في مواقع التواصل الاجتماعي؟ أم أن هذه المواقع أصبحت عند البعض المكان الذي يشعرون فيه بقيمتهم، أو مساحة للترفيه والتسلية، أو نافذة للتعارف، وربما مساحة لسرد حكايات طويلة لا تمت إلى الحقيقة بصلة؟
لا أعمم، فهناك من يستخدم مواقع التواصل بوعي، ويستفيد منها في عمله أو علمه أو علاقاته. لكنني أتحدث عن ذلك الاستخدام الذي يتحول إلى عادة تستهلك الساعات دون أن تترك خلفها شيئًا حقيقيًا يمكن للإنسان أن يقول: هذا ما أنجزته اليوم.
كنت في فترة من الفترات أقضي وقتًا طويلًا في مواقع التواصل. كنت موجودة، أتابع وأقرأ وأتنقَّل من مساحة إلى أخرى، لكنني عندما توقفت مع نفسي وسألت: ماذا صنعت من كل هذا الوقت؟ لم أجد هدفًا حقيقيًا أستطيع أن أضعه أمامي وأقول إنه سيبقى في ذاكرتي أو يصنع فرقًا في حياتي.
ومن هنا بدأت فكرة الابتعاد تدريجيًا، لا لأن مواقع التواصل سيئة في ذاتها، بل لأنني اكتشفت أن لدي أشياء أهم تستحق وقتي. أردت أن أعمل على هدف حقيقي، شيء ملموس يمكن أن يكبر معي، ويصبح في المستقبل نقلة نوعية لها قيمة لي ولمن حولي.
المفارقة أنني عندما بدأت أعمل على هذا الهدف، اكتشفت أن الوقت لم يعد طويلًا كما كنت أعتقد. أصبح اليوم قصيرًا، والساعات تمر بسرعة، والدقائق التي كنت أراها سابقًا كثيرة أصبحت نادرة. وعندما أطلقت البراند الذي يحمل هويتي، وجدت نفسي بين أكثر من ملف، وأكثر من فكرة، وأكثر من تواصل مع الشركات والمصانع وجهات الطباعة، وكل خطوة تفتح أمامي خطوات أخرى.
حتى كتابة هذا المقال أصبحت مهمة أحاول أن أجد لها مساحة بين التزامات كثيرة. وكلما شعرت أن البراند ينتشر أكثر، شعرت أن الوقت يضيق أكثر. عندها تذكرت الساعات التي كنت أقضيها في مواقع التواصل، وفكرت: كيف كنت أملك كل ذلك الوقت؟
الإجابة كانت بسيطة ومؤلمة في الوقت نفسه: كنت أملك الوقت لأنني لم أكن أحمّله مسؤولية كبيرة.
حين تعمل كفرد في وظيفة، وتتلقى راتبك في نهاية الشهر، قد تشعر أحيانًا أن لديك مساحة واسعة من الوقت بعد انتهاء ساعات العمل. أما حين تصبح أنت المسؤول عن نجاح فكرة، وعن استمرار مشروع، وعن اسم تحاول أن تصنع له مكانًا، فإن علاقتك بالوقت تتغير تمامًا.
عندما يكون نجاح المشروع مسؤوليتك، لا تستطيع أن تقول إن المهمة ستنتظر إلى الغد. هناك قرارات يجب أن تُتخذ، واتصالات يجب أن تُجرى، وأفكار يجب أن تُنفذ، وأخطاء يجب أن تُصحح. تشعر وكأنك تعبر بقاربك نحو الشاطئ، ولا تملك رفاهية التوقف طويلًا في منتصف الطريق.
وهنا فهمت شيئًا مهمًا: العمل الحر لا يختبر قدرتك على كسب المال فقط، بل يختبر قدرتك على صناعة نفسك. أنت أول شخص تتحداه، قبل أن تتحدى السوق أو المنافسين أو الآخرين. تسأل نفسك كل يوم: هل أستطيع أن أصنع اسمًا؟ هل أستطيع أن أحول فكرة صغيرة إلى شيء يراه الناس ويثقون به؟ وقد تكون الإجابة في البداية غير واضحة، لكن الاستمرار يصنع الفرق. فالمشروع الذي يبدأ من غرفة صغيرة، أو من مهارة، أو من هواية، قد يتحول مع الوقت إلى علامة لها حضورها. والفكرة التي تبدو بسيطة في بدايتها قد تفتح لصاحبها بابًا لم يكن يتوقعه.
لذلك لا أعتقد أن المشكلة دائمًا في قلة الوقت. أحيانًا المشكلة أننا لم نحدد ما الذي يستحق وقتنا. عندما لا يكون لديك هدف، تبدو الساعات كثيرة. وعندما يكون لديك هدف حقيقي، تكتشف قيمة الدقيقة.
ليس المطلوب أن يترك الإنسان كل شيء، ولا أن يعيش في سباق دائم. المطلوب فقط أن يعرف أين يضع وقته. فهناك وقت يمر بك وينتهي، ووقت تستثمره في شيء يعود إليك على هيئة خبرة، أو مشروع، أو معرفة، أو نجاح، أو حياة أكثر معنى.
مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة، لكن الخطوة وحدها لا تكفي؛ عليك أن تستمر في السير، وأن تعرف إلى أين تريد الوصول.
وفي النهاية، عندما تحدد هدفك بوضوح، يتغير كل شيء. يتغير وقتك، وأولوياتك، وحتى نظرتك للأشياء التي كنت تظن أنك لا تستطيع الاستغناء عنها. عندها لن تسأل: كيف أقتل وقتي؟ بل ستسأل: كيف أستفيد من الدقيقة التي بقيت لي؟
وربما يكون هذا هو الفرق الحقيقي بين من يستهلك عمره ومن يصنع منه شيئًا؛ الأول ينتظر أن يمر الوقت، أما الثاني فيحاول أن يترك شيئًا بعد مروره.

