شهد عام 1954م واحدة من أغرب الاكتشافات الأثرية؛ ليس في مصر فحسب ولكن في العالم كله. وإلى يومنا هذا لا يزال هذا الكشف الأثري من الألغاز المُحيرة في عِلم المصريات. أما الكشف فكان العثور على تابوت الملك سخم خت أحد أوائل ملوك الأسرة الثالثة (2686 - 2613 ق.م)، حيث عثر عالِم المصريات المصري زكريا غنيم على تابوت الملك سخم خت داخل غرفة الدفن الخاصة به أسفل الهرم الذي بناه الملك في جبانة سقارة غير بعيد من هرم أبيه الملك زوسر، والمعروف بالهرم المُدرج. وبفحص التابوت وجد غنيم أنه من الألباستر المصري المجلوب من محاجر حتنوب، الشهيرة بصحراء محافظة المنيا الآن. كان التابوت موضوعاً في منتصف غرفة الدفن، وفوقه باقة جنائزية من الزهور والنباتات، والتي كانت جافة وهشة تماماً؛ نظراً لمرور أكثر من 4500 سنة عليها وهي في موضعها فوق التابوت. وبمزيد من الفحص والتدقيق، وجد زكريا غنيم أن التابوت يُفتح ليس من أعلاه كما هو المعتاد، وإنما بجذب أحد جانبي صندوق التابوت الصغيرين إلى أعلى لتحريره من مجراه؟! وهذا التكنيك غريب في التوابيت الفرعونية، ولم يكن هذا هو أكثر ما لفت نظر المكتشف، وإنما عثوره على طبقة سميكة من الملاط حول باب (وليس غطاء في هذه الحالة!) التابوت، مما يؤكد أن ما بداخل التابوت سليم لم يُمس منذ أن جرت عملية الدفن. بمعنى آخر، فإن المنطق يقول إن مومياء الملك سخم خت لا بد أن تكون راقدة في سلام داخل التابوت الذي لا تظهر عليه أي شواهد تشير إلى أنه فُتح بعد دفن الملك.
كان مثل هذا الكشف كفيلاً بأن يزيد من الحماسة في عقل وقلب المكتشف زكريا غنيم، تلك الحماسة التي جعلته يقوم بالاتصال بالمسؤولين كافة في مصر حتى أعضاء مجلس قيادة الثورة (ثورة يونيو 1952م) وإبلاغهم بالكشف وأهميته، بل دعوتهم إلى حدث استثنائي في عالم الآثار، وهو حضور لحظة فتح التابوت، في مؤتمر صحافي عالمي بحضور ممثلي الصحف والإذاعات والتلفزيونات العالمية.
تحولت منطقة سقارة الأثرية إلى خلية نحل يفِد اليها الصحافيون والإعلاميون من كل بلاد العالم للتحضير للحدث المهم: «الكشف عن أقدم مومياء ملكية في مصر». وجرى تحديث عدد من السنترالات ومكاتب التلغراف المجاورة لسقارة لاستيعاب متطلبات الصحافيين وتسهيل اتصالاتهم ورسائلهم إلى صُحفهم وإذاعاتهم الخارجية. وكان زكريا غنيم مشغولاً، طوال تلك الأيام، بالحديث إليهم عن الكشف وما هو متوقع أن يُعثر عليه داخل التابوت عند فتحه؛ لدرجة أن غنيم بدأ يصف لهم شكل المومياء داخل التابوت، وأكد لهم أن قدمي المومياء تقعان مباشرة خلف السدة، أو باب التابوت؛ لأنه متأكد أن مومياء الملك أُدخلت التابوت من الرأس، ومن ثم تكون القدمان خلف الباب مباشرة. جاء اليوم المشهود، وتجمَّع المئات داخل الحجرة الضيقة أسفل الهرم، ومع الجو الحارّ وعدم كفاية الأوكسجين، والجميع يتقاتل للحصول على مكان رؤية مناسب بدأ البعض يصاب بالإغماء؛ من شدة الحر وقلة الأكسجين! بينما غنيم وعدد من الرجال يحاولون إعداد الحبال والبَكرات والأدوات لفتح التابوت، سويعات قليلة مرت كالدهر حتى تمكّن غنيم ورجاله من فتح التابوت ورفع الباب الصغير إلى أعلى. مئات الأعين جرى تسليطها إلى داخل التابوت. وكانت الصدمة القاسية... التابوت فارغ ليس به مومياء وليس به ذرة غبار واحدة. أحاط الصمت بالمكان، وكأن روح سخم خت ألجمت الألسنة! تحوّل الكشف إلى مصيبة وكارثة على رأس غنيم الذي لم يُسعفه عقله بحل لهذا اللغز: أين ذهبت مومياء سخم خت؟! وإلى يومنا هذا ما زلنا نبحث عن حل لهذا اللغز.

