إيلاف من أصيلة: افتتح مساء السبت، ضمن فعاليات الدورة الخريفية لموسم أصيلة الثقافي الدولي الـ47، معرض تشكيلي للفنانين يونس الخراز تحت عنوان "عالم في حركة دائمة"، ومحمد المرابطي تحت عنوان "بين الجمالية والروحانية".

وتميز حفل الافتتاح، الذي احتضنه رواق محمد بن عيسى للفنون الجميلة في مركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية، بحضور نوعي ضم، على الخصوص، عدداً من المثقفين والإعلاميين والفنانين.
وراكم الفنانان التشكيليان تجربتين فنيتين مهمتين، أكسبتهما تميزا لافتا وحضورا معتبرا في المشهد التشكيلي المغربي.
بين الجمالية والروحانية
أعطى المرابطي لمشاركته عنوان "بين الجمالية والروحانية"، وهو يقدم لمحة مصغرة عن تجربته كفنان ومساره واختياراته وطريقة اشتغاله.
وينحدر المرابطي من مدينة مراكش. وهو فنان عصامي، نظم العديد من المعارض الفردية بالمغرب وخارجه. بدأ شغفه بالرسم منذ طفولته، وعندما غادر مرحلة الدراسة الثانوية،التحق بسوق العمل، ثم فرض على نفسه جدولًا زمنيًا صارمًا ليتعلم الرسم تحت إشراف أساتذة الفنون التشكيلية بثانوية جابر بن حيان بالدار البيضاء. ومع مرور الوقت، غدا شغفه بالرسم ملحًا إلى حدّ دفعه لاختيار المهن التي تتيح له تكريس معظم وقته لهذه الهواية.
وفي مدينة تحناوت الصغيرة، ضواحي مراكش، حيث يعيش ويعمل حاليا، أسس المرابطي "المقام"، وجعل منه فضاء فنيا.
ويبقى المرابطي، كما كتب عنه الشاعر والفنان التشكيلي عزيز أزغاي، "صاحب تجربة صباغية متميزة في مدونة الفن الحديث في المغرب"، و"أحد الأسماء النشطة المنخرطة في بلورة طموح التشكيل المغربي للخروج إلى العالم"؛ ويعرف عنه أنه راهن، منذ بداية مساره، لتعزيز خياراته التشكيلية والجمالية، على "صياغة جملة تشكيلية خاصة ترتكز على توظيف الأثر المقدس والصوفي والمرتفع، وعلى علاقة ذلك بالكائن الأعزل الذي بات عرضة لهجمة التقنية وتحول الزمن إلى آلة رهيبة"، فـ"استطاع، بجهد فردي وروح منصتة، أن يلفت الانتباه باكراً إلى طاقته الإبداعية الخلاقة والمتجددة التي ما فتئ يعبر عنها في أعماله الفنية".

ويرى الناقد محمد آيت لعميم، أن المتأمل في تجربة المرابطي"يلمس نزوعه الروحي الصوفي الفطري، البعيد عن كل افتعال".
وبالنسبة لآيت لعميم، فالأشكال تتداخل داخل فضاء لوحةالمرابطي، حيث "يتجاور الشكل الهندسي للمثلث بلون فاقع وحار، وتعلوه تخطيطات وأشكال نباتية تضفي الحياة على المظهر الهندسي الثابت والهادئ، وتشكل التخطيطات هيئات بشرية، وأشكال تذكر أحيانا بلباس الرهبان، وأخرى بلباس المغاربة مثل الجلباب".
ويرى آيت العميم أن "يد الفنان وهي تغزل نسيج اللوحة تترك لدى المشاهد انطباعات شتى، حول تفسير وتأويل المفردات اللونيةوالجمل التشكيلية".

ولاحظ آيت لعميم أن "هناك سردية غير مرئية في اللوحة نستنبطها من الإشارات التي تومئ بها اللوحة لمشاهدها المفترض"، مع إشارته إلى أن "المرابطي يسعى إلى أن ينقل تلك الشحنات التي تخالج مخيلته، عبر لغة فنية ناصعة لذلك عمد إلى الألوان الحارة والفاقعة، لإثارة الانتباه إلى الموضوع، وجعل الأشكال تعكس عمق الفكرة التي يسعى إلى إيصالها، حيث هناك جدل بين الأرض والسماء، انعكس في الأشكال الهندسية المقببة والحادة التي تتطلع إلى السماء، وهناك أشكال مثلها معكوسة الاتجاه في إشارة إلى الهبوط من أعلى إلى الارض، هذه الجيئة والذهاب بين السماء والأرض هي النواة المحركة لعوالم اللوحات التي نوعت وعددت زاويا النظر إلى القبة في اللوحة".
لقد استطاع المرابطي، يضيف آيت لعميم، أن يستحدث له "أسلوبا خاصا يميزه في عالم الفن التشكيلي قوامه الوعي الحاد بالموضوع، والتمكن من تطويع اللون والشكل ليرسخ بصمته الفنية التي لا تخطئها العين، فالفنان يحفر في أرضه وفي إرثه ساعيا بذلك إلى خلق حوار مع ثقافات اخرى وروحانيات، مما يكسب لوحته بعدا كونيا، وإن الإغراق في المحلية سبيل سالك إلى العالمية".
عالم في حركة دائمة
يقدم الخراز كرسّام للأشكال الخيالية والحرية الي تُختر وتُعاش. تلقّى تكوينه في مدرسة الفنون الجميلة بتطوان ثم بأنغوليم في فرنسا. ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، وهو يطوّر لغة تشكيلية متعددة الألسن.
وُلِد الخراز بأصيلة، ونشأ متشرّباً بالفن، في محيط احتكّ فيه بالفنانين الذين كانوا يعملون ويقيمون بالمدينة، ومن بينهم فريد بلكاهية، ومحمد المليحي وسعد الحساني.

وتظهر في أعمال الخراز "شخوص ووجوه وطبيعة صامتة، ثم تتحوّل وتتلاشى"، لتتنقّل تجربته من التشخيص إلى التجريد، حيث "يبدو المشهد الواحد قابلاً لأن يُرسم في مختلف مراحل ذوبانه: يستقرّ الشكل للحظة، ثم يتشظّى، ليفسح المجال تدريجياً للون والخط والحركة". يتعلق الأمر، هنا، بـ"لوحة غريزية، غزيرة ومتدفقة، تجعل من كل عمل فرصة للبدء من جديد، على نحو مختلف. إنه روح حرّة".
وسبق للفنان التشكيلي عبد الرحمن رحول أن أكد قيمة الخراز،حين قال إننا "أصبحنا نرى أعماله ونتعرف عليها مباشرة من دون رؤية توقيعه، ذلك ما يؤكد أن له بصمة فنية خاصة باتت مشهورة".
وكتبت الناقدة فتيحة الدكالي، تحت عنوان "تحرر" أنهم قليلون من حظوا بامتياز دخول مرسم الفنان، حيث "اللوحات تملأ الجدران، وتتكئ الواحدة على الأخرى، تتخفى ثم تنكشف لتتزاحم أمام ناظريك. أزرق عميق، ألوان ساطعة، وجوه، خطوط، إشارات، وحلقات بالمئات، تتشكل في وفرة تعكس صورة فنان يرسم بيديه الاثنتين، في حالة أشبه بغشية أو وجد يغمر الروح والجسد". فنان "يرسم ليحافظ على حركية عالمه"، يقول الخراز.
ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، تضيف الدكالي، لم تتوقف تشكيلات صور الخراز عن تبديل لغتها. فـ"الفضاء الذي بدأ هندسياً، صار يضم لاحقاً الشخصيات، والطبيعة الصامتة، والمغنيات، والوجوه بوجه خاص. ثم ما فتئت الخطوط أن فقدت طوعيتها؛ فتشتت الشكل، وفاض اللون، وتحرر الخط".

وفي هذا السياق، تشير الدكالي إلى أن الشاعر المهدي أخريف سبق أن تحدث عن الخراز واصفاً إياه بـ"الترحال المستمر". وبهذا المعنى، تندرج مجموعة "حرية" ضمن هذه الحركة: كتجربة تصويرية تتجلى عبر أربع محطات: الغوص، الذوبان، الفيضان، والتحرر: أولا "الغوص": "أولاً، الأزرق. فالمرء لا يدخل إلى لوحة "حرية" عبر البصيص الساطع، بل عبر العمق. يغوص الناظر في فضاء كثيف، يكاد يكون ليلياً. تخترقه خطوط سوداء، تصطدم به، تختفي ثم تعاود الظهور. ومضات قليلة من الأحمر، والأبيض، أو الأصفر تجذب العين لتمتد أبعد. "الغوص" هو تلك الحركة الأولى التي تقتادك إلى جوف اللوحة حتى قبل أن تدرك كنهها". وثانيا "الذوبان"، حيث تبرز الأجساد والوجوه: يبقى فيها ما هو قابل للتمييز، غير أن الصباغ يعمل منذ الآن على مسخها وتحويلها. يبدو وكأن الصورة ذاتها يمكن أن تُرسم في شتى مراحل تلاشيها. تتأرجح الخطوط الفاصلة، وتتكسر الأشكال، وتندثر أجزاء بينما تقاوم أخرى. وتدريجياً، تكف الشخصية عن قيادة اللوحة وتنظيمها، ليظفر اللون والخط باستقلاليتهما. وهكذا يحدث التلاشي أمام أعيننا مباشرة".

وثالثا: "الفيضان": و"في هذه المرحلة، يكتسب اللون مساحات جديدة. متألقاً، براقاً، ومبتهجاً، ينتشر اللون ويمتد. وتتضاعف الإشارات، وتتقاطع الاتجاهات، وتتسارع ضربات الفرشاة. غير أن الحركة تبقى محتواة داخل اللوحة، دافعة بالتركيب البصري حتى حدوده الداخلية القصوى. وكقدر يغلي، يفيض التصوير من داخل ذاته. فمن أثر الصورة الباقي إلى تفريغ طاقة الجسد، يكتسب كل شيء حدة وكثافة". ورابعا: "التحرر"، إذ "بحركة أولية وبدائية، يلتف خط ما، ويكاد ينغلق على نفسه ثم يعيد الكرّة. مرة. مائة مرة. ألف مرة. وأمام اللوحات ذات الحجم الكبير، يشارك الجسد بأسره... لم تعد المسألة مسألة أيدي فحسب، بل الكائن بأسره هو من يرقص. ومع تكاثرها، تتحول الحلقات إلى طاقة، واهتزازات، ثم إلى مادة. تتراكم مشكلة كتلًا، وفجأة تتباعد لتترك اللوحة تعود إلى صمتها. إنه التناقض المثمر للوحة "حرية": التكرار يحرر الجسد من قيوده. الحلقة الأولى قرار، وعند الحلقة المائة، يستسلم الجسد للوجد والتجلي".
وبالنسبة للدكالي، فـ"غوص" و"ذوبان" و"فيضان" و"تحرر" هي"أربع حركات للوحة واحدة؛ ينغمس فيها النظر، ويذوب الشكل، ويفيض اللون، ويتحرر الأثر".


