: آخر تحديث
قصيدة

أناشيدُ السقوط

3
3
1

هابطةً من بقايا النخل المتشبث للآن بجذوره في البساتين البائدة

حبوب الطلع ـ فواحةً بالذكورة، متوهجةً ببقايا نور مُستنزف يلهث ـ

تهرب مفزعة من زحف الظلام، تلتف، تدور، تبحث عن مأوى في الأرحام،

عسى في بقايا تقاوم الفناء لنزر يسير من أمّهات النور مخلصات لنداءات الأنوثة الولودة

مثيرة نشوة البقاء فيمن بقين متشبثات برَدِّ موجة العُنّة القادمة من مطلع الشمس

من أقصى عنابر الشر التي أطفأت على الناس المتأملين نبض نجمة الشمال وبهجة نجوم السطوح الطليقة،

إذ تمر كغيمة سوداء على ما تبقى من ضوء وعلى فحول النخل لتخصيها،

بعد أن كانت قد أخرست تغريد الطيور وأطفأت عيون الصقور الراصدة للطرقات وشلّت سعي النحل إلى الرحيق

تقتنص، من أجل تكريس الفناء، ما سبح متملصًا من النور

باذرة في الزوايا والأزقة والمنعطفات ظلامًا ثقيلًا فواحًا بالعفونة

يضفي على الماء والهواء لونه الماص للضوء

في المكان إياه الذي انتشر فيه الجراد الزاحف والطاعون سويةً مع المتملقين الدبقين

يُهرعون متعثرين، ماشين، راكضين أو مهرولين

دائسين على رؤوس من سقط من ضعافهم: أصدقاء لهم، إخوة، آباء أو أمهات، دون التفات

لكي يلحقوا بالرثين الجدد، من أصحاب اللحى والحقائب والأساطير والأدعية

انكشفوا على البسيطة من سراديب التاريخ التي عُتقت طويلًا بعد أن تربصوا دهورًا

حتى إذا ما لحقوا بهم،

التصقوا كما القُراد على جلد حصان سمين، متضرعين:

ـ أبيعك سيدي ولائي وطاعتي

لقد بحثت عنك في كل مكان، ودست على كل من اعترض طريقي

إني تنقلت، سيدي، يمينًا ويسارًا

ما نفعني أحد، حتى اهتديت إليك

فرأيت فيك النور الذي لم أجده في بكين وبطرسبورغ ونيويورك

طال انتظاري لمقدمك حتى جئت، فاستطاب خاطري بطلعتك مولاي.

ودون أن يلتفت إليه، وبكل الازدراء الذي يليق به:

ـ حسنًا، حسنًا، حسنًا. لقد سمعت هذا الكلام ممن سبقوك إليّ

لكنني سأقبلك. اتبعني!

ويسرع الخطى

فيهش مع من سبقوه الذباب عن أصنام آلهة من تمر مدافة بدم وعجين مزروعة على امتداد طرقات

تناثر على حافّاتها أناس تائهون ومحتضرون ينازعون، وجثث متفسخة

فينزعون من آلهة التمر مزقًا، زُوّادات للطريق

ويتعجلون الخطى لكي ينتظموا

بالقطيع الكبير لعازفي أناشيد الخلود والبقاء والنجاة من العذاب

الذي ينتظر غيرهم، هناك حيث العالم الضال الغارق في الخطيئة،

تراهم وهم يسيرون يعلق من عفنهم دبق بقلائل يسيرون في الاتجاه المضاد

وهم يتناقصون رويدًا رويدًا في سعيهم لوشل من نور

إذ تتصيدهم متاريس خلف التلال لالتقاط المارقين

ممن وشى بهم المتملقون الملتحقون بالركب الجديد لحاملي الحقائب واللحى ووعود الخلاص

في المكان والزمان الأزلي الذي ما فتئ يكرر نفسه بحقائب تزداد سماكة

للسباحين دائمًا وأبدًا وفي كل مرة إلى حيث يسير التيار.

وفي مكان قل زائروه

لا يزال هناك نور لم ينطفئ

يرشح من فتحة تضيق عند حدود المدينة

المار طريقها بآخر مقبرة للشرفاء

المُستبدلين بالموتى الأحياء المتنفسين ما تقادم من نسيج عناكب

اندثرت منذ أزمان سحيقة ومن هباب جثث تفسّخت وطارت مع أول هبّة هواء

سكنوا عند بقعة الضوء التي ألقتها فتحة في السماء

وحيدين غرباء تنهش من لحمهم ذئاب البراري.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات