: آخر تحديث
أضواء

لوركا: الشاعر الذي أصبح جزءًا من ثروة الأندلس السياحية

2
0
1

إيلاف من برشلونة: في هذه الأيام، تستعيد إسبانيا ذكرى فيديريكو غارثيا لوركا، الشاعر الذي اغتيل في أغسطس عام ألف وتسعمائة وستة وثلاثين، في واحدة من أكثر صفحات الحرب الأهلية الإسبانية مأساوية. وبعد نحو تسعين عامًا، لم يعد لوركا مجرد اسم في تاريخ الأدب الإسباني، بل أصبح جزءًا من ذاكرة غرناطة، ومن هويتها الثقافية، ومن اقتصاد مقاطعة الأندلس الإسبانية السياحي.

ولعل التوقيت مناسب للتوقف عند هذه العلاقة بين الثقافة والسياحة والاقتصاد.

فمقاطعة الأندلس الإسبانية تعيش اليوم طفرة سياحية غير مسبوقة. وتشير أرقام القطاع إلى أن السياحة توفر العمل لنحو نصف مليون شخص في الأندلس، أي ما يقارب خمسة عشر في المائة من مجموع العاملين.

وفي يوليو عام ألفين وستة وعشرين، وصل إلى الأندلس نحو مليون وستمائة ألف سائح دولي، في مؤشر جديد على الوزن المتزايد للسياحة الدولية في اقتصاد المقاطعة.

هذه الأرقام لا تتعلق بلوركا مباشرة، ولا يجوز القول إن جزءًا محددًا منها جاء بسبب شاعر واحد. لكنها تساعدنا على فهم حجم البيئة الاقتصادية التي تتحرك داخلها الثقافة الأندلسية.

ففي غرناطة، لا يعيش لوركا في الكتب وحدها.

هناك مركز فيديريكو غارثيا لوركا، وهناك هويرتا دي سان فيسينتي، المنزل الذي ارتبط بعائلة الشاعر وتحول إلى موقع ثقافي، إضافة إلى البيت المرتبط بميلاده في فوينتي فاكيروس ومواقع أخرى مرتبطة بحياته وذكراه.

ويأتي الزائر إلى هذه الأماكن بحثًا عن شاعر، لكنه لا يغادر غرناطة بشعر لوركا فقط. فهو يقيم في فندق، ويتناول الطعام في مطعم، ويستخدم وسائل النقل، وقد يشتري كتابًا أو يحضر عرضًا مسرحيًا أو موسيقيًا، ويزور في الوقت نفسه قصر الحمراء والأحياء التاريخية والمواقع المرتبطة بتاريخ الأندلس.

وهنا تكمن القيمة الاقتصادية الحقيقية للشخصية الثقافية.

لوركا لا ينتج فقط تذاكر لمتحف أو مبيعات كتب؛ بل يضيف قصة إلى المدينة، والقصة تزيد من جاذبية المكان.

ومن الصعب، بل من غير العلمي، تحديد مبلغ مالي دقيق يمكن القول إنه «إيرادات لوركا» بالنسبة إلى غرناطة. فلا توجد عادة خانة إحصائية تفصل السائح الذي جاء بسبب لوركا عن السائح الذي جاء بسبب قصر الحمراء أو تاريخ الأندلس أو الفلامنكو.

لكن هذا لا يعني أن القيمة الاقتصادية غير موجودة.

على العكس، إنها تظهر في شبكة واسعة من النشاط الثقافي والسياحي: المتاحف، والمسرح، والمهرجانات، والكتب، والجامعات، والزيارات الثقافية، والإقامة الفندقية، والمطاعم، والنقل والخدمات.

وهذه هي الفكرة التي تستحق التأمل: الثقافة لا تكون دائمًا إيرادًا مباشرًا؛ أحيانًا تكون سببًا في خلق حركة اقتصادية حول المكان.

لوركا مثال واضح على ذلك.

فقد أصبح اسمه مرتبطًا بغرناطة إلى درجة أن المدينة تستطيع أن تقدم نفسها للعالم من خلال أكثر من صورة: غرناطة قصر الحمراء، غرناطة الأندلس الإسلامية، غرناطة الفلامنكو، وغرناطة لوركا.

واللافت أن لوركا يضيف إلى السياحة الأندلسية شيئًا لا توفره المعالم التاريخية وحدها: التجربة الإنسانية.

فالسائح الذي يقرأ «بيت برناردا ألبا» أو «عرس الدم» أو «يرما» قبل أن يصل إلى غرناطة، يرى المدينة بطريقة مختلفة. يصبح المكان بالنسبة إليه ليس مجرد مبانٍ وآثار، وإنما فضاء عاش فيه شاعر، وكتب، وأحب، وحلم، ثم قُتل في سن مبكرة.

وهنا تظهر صلة أخرى شديدة الأهمية بالنسبة إلينا في العالم العربي.

لوركا ابن غرناطة، والمدينة التي ارتبط بها كانت آخر عاصمة للمسلمين في الأندلس. لم يكن لوركا مؤرخًا للعرب، ولا يمكن اختزال تجربته الأدبية في التراث العربي الإسلامي، لكن الأندلس كانت جزءًا من البيئة التاريخية والثقافية التي شكلت ذاكرته وخياله.

والأجمل أن لوركا عاد، بعد موته، إلى العالم العربي من خلال الترجمة. قرأه شعراء وكتاب عرب، وترجمت أعماله إلى العربية، وأصبح اسمه حاضرًا في الثقافة العربية الحديثة.

وهكذا تبدو المفارقة التاريخية جميلة: الأندلس التي كانت جزءًا من العالم الإسلامي لقرون، ثم أصبحت جزءًا من إسبانيا، أعادت لوركا من إسبانيا إلى العالم العربي، شاعرًا لا مؤرخًا، وذاكرةً لا وثيقةً تاريخية.

اليوم، وبينما تستقبل مقاطعة الأندلس الإسبانية أعدادًا قياسية من الزوار ويعمل نحو نصف مليون شخص في السياحة، تبدو أهمية هذا النوع من «الرأسمال الثقافي» أكثر وضوحًا.

فالأندلس لا تبيع الشمس والبحر والفنادق فقط. إنها تبيع أيضًا قصة.

قصة قرطبة، وقصة إشبيلية، وقصة غرناطة، وقصة الأندلس، وفي داخل هذه القصص أسماء أصبحت جزءًا من هوية المكان: ابن رشد، وابن عربي، وزرياب، ولوركا.

أما لوركا، فقد ترك للأندلس شيئًا لا يمكن قياسه بسهولة في جداول الحسابات: ترك لها اسمه.

وبعد نحو تسعين عامًا من اغتياله، ما زال اسمه حاضرًا لدى القراء والباحثين والسياح، وما زالت غرناطة تستعيده كل عام في أغسطس، لا بوصفه ضحية من ضحايا الحرب الأهلية فقط، وإنما بوصفه أحد أبنائها الذين تحولت ذاكرتهم إلى جزء من صورتها أمام العالم.

وماذا عن العالم العربي؟

وقد يكون الدرس الأهم بالنسبة إلى العالم العربي أن الثروة الثقافية لا ينبغي أن تبقى حبيسة الكتب والمتاحف.

ففي المغرب، لدينا، على سبيل المثال لا الحصر، محمد شكري، ومحمد بن إبراهيم، المعروف بلقب «شاعر الحمراء»؛ وفي مصر، نجيب محفوظ، وعنايات الزيات، وشادي عبد السلام؛ وفي السعودية، غازي القصيبي ومحمد الثبيتي؛ وفي الإمارات، أحمد راشد ثاني ؛ وفي تونس، أبو القاسم الشابي؛ إلى جانب المئات من الأسماء الأخرى من الأدباء والشعراء والمفكرين والفنانين الذين يمكن أن تشكل سيرهم وأعمالهم جزءًا من الذاكرة الثقافية للمدن.

وفي السعودية، ترك غازي القصيبي ومحمد الثبيتي بصمتهما في الذاكرة الأدبية، فالأول جمع بين الشاعرية والعمل العام، والثاني حمل روح الصحراء وفتح بابًا جديدًا للشعر الحديث

وفي الإمارات، أحمد راشد ثاني، من رواد قصيدة النثر وجامعي التراث الشفاهي، وكان يرى أن الجزيرة العربية تختزن كنزًا هائلًا من التراث الشفاهي؛

هذه القائمة ليست حصرًا، وإنما أمثلة على ثروة بشرية وثقافية واسعة تمتلكها المنطقة العربية.

وفي المغرب، تتجلى الذاكرة الأدبية في وجوه متعددة: فمحمد شكري، ابن طنجة، جعل من المدينة فضاءً عالميًا للكتابة، وفتح بابًا جديدًا للأدب العربي من خلال صدقه الجارح وتجربته الفريدة؛ ومحمد بن إبراهيم، «شاعر الحمراء»، ارتبط بمراكش حتى صار جزءًا من روحها، يكتب عن أسواقها وأحيائها وناسها، ويحوّل المدينة إلى مسرح شعري نابض بالحياة. إنهما مثالان على كيف يمكن للمدينة أن تحتضن الكاتب، وكيف يمكن للكاتب أن يمنح المدينة صوتًا لا يُنسى.

وفي مصر، نجيب محفوظ مرتبط بالقاهرة وأحيائها القديمة، أما عنايات الزيات فقَصتها تكاد تكون رواية بحد ذاتها: كاتبة عاشت حياة قصيرة، وتركت وراءها عملًا أدبيًا واحدًا، «الحب والصمت»، قبل أن تتحول قصتها الشخصية وموهبتها المهدرة إلى جزء من الذاكرة الأدبية المصرية.

ويمثل شادي عبد السلام نموذجًا مختلفًا لفنان ترك وراءه رؤية بصرية ومشروعات لم يكتب لها أن تكتمل.

ولكل واحد من هؤلاء، يمكن أن تُنسَج حكاية، وتُرسَم خريطة، ويُخلَق مسارٌ سياحيٌّ يمشي فيه الزائر بين آثار حياتهم، ويصغي إلى ما تركوه من صوتٍ في المدن التي أحبّوه وأحبّها.

هذه الأسماء، وغيرها كثير، لا تحتاج إلى أن تتحول إلى نسخ عربية من لوركا. لكل شخصية خصوصيتها، ولكل مدينة ذاكرتها وسياقها. لكن التجربة الأندلسية تطرح أمامنا سؤالًا يستحق التفكير:

هل نعرف كيف نحول أسماءنا الكبيرة إلى جزء حي من ثقافة مدننا واقتصادها السياحي؟

الجواب بالتأكيد نعم.

فالثروة الثقافية الحقيقية ليست فقط ما ورثناه من الماضي، بل قدرتنا على جعل هذا الماضي حاضرًا في حياة الناس، وفي تعليم أبنائهم، وفي زيارة ضيوفهم، وفي اقتصاد مدنهم، وفي رواج أحيائهم.

قد يُقتل الشاعر، لكن المدينة تستطيع أن تجعل صوته مصدرًا للحياة الثقافية والاقتصادية بعد موته.

وهذه ربما إحدى أعظم مفارقات التاريخ: أن الإنسان الذي حاول العنف أن يمحو صوته، أصبح بعد تسعين عامًا جزءًا من الثروة الثقافية التي تعيش منها المدينة التي أحبها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات