بدأت عملي ممارسا صحيا عام 1999، وعشت تفاصيل القطاع عن قرب، ولذلك أستطيع القول إن ما أراه اليوم يختلف جذريا عما عرفناه في السابق. لم يتغير شكل الخدمة فقط، وإنما تغيرت طريقة التفكير فيها، وأصبح التركيز أكبر على الوقاية وجودة الحياة والوصول إلى المريض قبل أن تتفاقم حالته.
وأدرك تماما أن الممارس الصحي، وحتى المواطن العادي، قد يتخوف من التغيير بشكل عام، خصوصا إذا كان يمس عمله أو صحته أو طريقة حصوله على العلاج. فالإنسان بطبيعته يرتاح لما اعتاده، ويقلق من كل مرحلة لم تتضح تفاصيلها بعد.
وهذا ما يحدث اليوم مع التحول الصحي في المملكة. هناك من يتساءل عن مستقبل الخدمات، ومن يشعر أن الإجراءات تغيرت، ومن يقارن تجربته الحالية بما كان يحصل عليه سابقا. هذه المخاوف لا ينبغي التقليل منها، لكنها أيضا لا تعني أن نحكم على التحول قبل اكتمال مراحله.
القطاع الصحي لا يشهد تعديلات محدودة، وإنما يعاد بناؤه بما ينسجم مع مستهدفات رؤية البلاد 2030. والهدف هو الانتقال من التركيز على علاج المرض بعد وقوعه إلى الاهتمام بصحة الإنسان قبل أن يمرض، مع رفع جودة الخدمة، وتسهيل الوصول إليها، والاستفادة من التقنية والبيانات، وتحسين كفاءة الإنفاق.
لسنوات طويلة، تعودنا أن تبدأ علاقتنا بالصحة عند باب المستشفى. نشعر بألم، فنطلب موعدا لدى طبيب متخصص، ثم نجري الفحوصات ونحصل على الدواء. أما النموذج الجديد فيعطي مساحة أكبر للرعاية الأولية والوقاية والكشف المبكر ومتابعة الأمراض المزمنة. وهذه ثقافة تحتاج إلى وقت حتى تصبح مألوفة لدى المجتمع.
قد لا يحتاج المريض إلى مستشفى كبير في كل مرة، ولا حتى الوقوف أمام بوابات الطوارئ، فقد تكون حالته قابلة للعلاج في مركز صحي قريب من المنزل أو من خلال استشارة عن بعد. كما أن أقسام الطوارئ يجب أن تبقى للحالات الطارئة، والمنقذة للحياة، لا أن تصبح بديلا عن العيادات بسبب سهولة الوصول إليها. تنظيم هذه المسارات ليس تقليلا من الخدمة، وإنما محاولة لإيصال كل مريض إلى المكان الذي يناسب حالته.
الدول التي سبقتنا في تطوير أنظمتها الصحية لم تنجز ذلك خلال سنوات قليلة. استغرقت تجاربها وقتا طويلا، ومرت بمراحل من التعديل والتقييم، ومازالت تواجه مشكلات في المواعيد والتكاليف والانتظار ونقص بعض التخصصات. لذلك ليس واقعيا أن نتوقع تحولا بهذا الحجم من دون صعوبات أو أخطاء في بدايته.
لكن تفهم المرحلة لا يعني تبرير القصور. إذا تعطل موعد مريض، أو لم يجد دواءه، أو ضاع بين الجهات، فهذه مشكلة يجب الاعتراف بها ومعالجتها. ومن حق المواطن أن ينتقد ويشتكي ويطالب بخدمة تليق به. المطلوب أن يكون حكمنا على التجربة منصفا، فلا نعمم خطأ واحدا على مشروع كامل، ولا نتجاهل خللا يتكرر بحجة أن التحول يحتاج إلى وقت.
الجهات الصحية مطالبة كذلك أن تتحدث مع الناس بوضوح. المواطن لا تعنيه كثيرا المسميات الإدارية أو تبعية المنشأة، وإنما يريد أن يعرف إلى أين يذهب، وكيف يحجز موعده، ومن يتابع علاجه، وأين يجد دواءه. وكل إجراء لا يشرح للمستفيد بصورة واضحة سيتحول إلى حيرة وقلق، مهما كانت أهدافه جيدة.
أما المواطن فليس بعيدا عن هذه المسؤولية. من يحجز موعدا ولا يحضره يحرم مريضا آخر منه، ومن يذهب إلى الطوارئ بسبب حالة بسيطة يزيد الضغط على من يحتاج إلى تدخل عاجل. كما أن إهمال الفحوصات والدواء والغذاء والنشاط البدني يجعل علاج الأمراض أصعب وأكثر تكلفة.
ولا يجوز أن نحمل المواطن مسؤولية كل شيء. توفير الخدمة وجودتها وسهولة الوصول إليها مسؤولية الجهات الصحية أولا، لكن المحافظة على الصحة مسؤولية شخصية أيضا. لا يمكن لأي نظام صحي أن يحقق أهدافه إذا بقي الإنسان ينتظر ظهور المرض حتى يبدأ الاهتمام بنفسه.
وسيكون الحكم الحقيقي على التحول من خلال ما يلمسه المريض، لا من خلال عدد البرامج والمبادرات. هل أصبح الوصول إلى الموعد أسهل؟ هل وجد المريض من يتابع حالته؟ هل حصل على العلاج والدواء في الوقت المناسب؟ وهل شعر أن كرامته ووقته محل تقدير؟ هذه هي الأسئلة التي تهم الناس، وهي التي ستحدد مستوى ثقتهم في التحول.
نحن أمام مشروع وطني كبير، ومن الطبيعي أن يحتاج إلى وقت حتى تستقر إجراءاته وتظهر نتائجه. وما يحدث اليوم لم يعد خيارا يمكن تأجيله، وإنما ضرورة تفرضها متغيرات العصر، وتزايد الاحتياجات الصحية، وانتشار الأمراض المزمنة، وارتفاع تكلفة العلاج.
المطلوب أن نستوعب اتجاه هذا التحول، وأن نمنحه فرصته، وأن نشارك في تحسينه بالملاحظات الصادقة والنقد المسؤول، من دون مقاومة كل جديد لمجرد أنه مختلف، ومن دون القبول بكل شيء من دون مراجعة.
التحول الصحي لن ينجح بالقرارات والتقنيات وحدها. نجاحه يحتاج إلى جهة تشرح وتنفذ وتحاسب، وممارس صحي يؤمن بدوره، ومواطن يعرف حقوقه ويتحمل مسؤوليته. وفي النهاية، الغاية ليست تغيير شكل القطاع الصحي، وإنما بناء منظومة تحفظ صحة الإنسان وتصل إليه قبل أن يصل إليها مريضا.

