: آخر تحديث

العقل.. هل يرهقه التفكير أم يمنحه حياة أطول؟

3
3
2

عبد الله سليمان الطليان

حين يتقدم الإنسان في العمر، ويبدأ شيء من النسيان يتسلل إلى ذاكرته، يكثر سماع عبارة تتردد على ألسنة الناس: «لقد أتعب عقله بكثرة التفكير». وكأن العقل آلة ميكانيكية إذا أفرط صاحبها في استخدامها تعطَّلت مبكرًا. لكن هل هذه الفكرة صحيحة؟ وهل العبقرية والنشاط العقلي المكثَّف يقودان فعلًا إلى إنهاك الدماغ، أم أن الحقيقة أكثر تعقيدًا من ذلك؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال، ينبغي أن نتوقف عند سؤال آخر لا يقل أهمية: ما الذكاء أصلًا؟

لقد بيَّنت دراسات علم الأنثروبولوجيا أن مفهوم الذكاء لا يتخذ صورة واحدة عند جميع الشعوب، بل يتشكَّل وفق البيئة التي يعيش فيها الإنسان والتحديات التي يواجهها، فالإنسان الذي يعيش في أعماق الغابات الاستوائية، ويستطيع تمييز النباتات النافعة من السامة، ويتتبع آثار الحيوانات، ويقرأ اتجاهات الرياح، ويهتدي في طرق لا تحمل أي علامات، يمتلك قدرة عقلية رفيعة قد تبدو خفية لمن يعيش في المدن الحديثة. وفي المقابل، قد يعجز هذا الرجل عن التعامل مع الحاسوب أو حل معادلة رياضية، بينما يستطيع أستاذ جامعي القيام بذلك بسهولة، أيّهما أكثر ذكاءً؟

في الحقيقة، كلاهما ذكي، ولكن كل واحد منهما طوَّر عقله بما يتناسب مع بيئته. فالذكاء ليس مجرد سرعة في الحساب، أو قدرة على الحفظ، أو نتيجة في اختبار مدرسي، وإنما هو قبل كل شيء القدرة على التكيّف مع البيئة، وفهم الواقع، وحل المشكلات التي تفرضها الحياة.

ومن هنا يصبح السؤال: هل النشاط العقلي يحمي الدماغ أم يرهقه؟

تشير الأبحاث الحديثة في علم الأعصاب إلى أن الدماغ يشبه العضلة إلى حد بعيد؛ فالعضلة التي لا تعمل تضعف، أما التي تعمل باعتدال فإنها تزداد قوة وكفاءة. وكذلك الدماغ، إذ إن القراءة، والتعلّم، والبحث، والتأمل، وحل المشكلات، كلها تسهم في بناء ما يسميه العلماء «الاحتياطي المعرفي»، وهو قدرة الدماغ على مقاومة آثار الشيخوخة أو تعويض جزء من التلف إذا أصاب بعض شبكاته العصبية.

ولذلك لا نجد في التاريخ ما يؤيِّد أن التفكير العميق وحده يستهلك الدماغ أو يقصر عمره.

فالفيلسوف برتراند راسل ظل يكتب ويحاضر حتى بعد تجاوزه التسعين عامًا، محتفظًا بقدر كبير من صفاء الذهن. والعالمة الإيطالية ريتا ليفي-مونتالتشيني، الحائزة على جائزة نوبل، استمرت في العمل داخل مختبرها حتى تجاوزت المائة من عمرها. أما العالم الأمريكي جون غوديناف فقد واصل البحث العلمي حتى التسعين من عمره، ونال جائزة نوبل وهو في السابعة والتسعين.

هذه النماذج توحي بأن النشاط العقلي المستمر قد يكون عاملًا يحافظ على حيوية الدماغ، لا سببًا في إنهاكه.

لكن التاريخ يقدم لنا أيضًا صورة أخرى، مثل الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه، الذي انهار عقليًا في الرابعة والأربعين من عمره بعد سنوات من الإنتاج الفكري الغزير. وقد ظن بعض الناس أن كثرة التفكير هي التي أوصلته إلى تلك النهاية، إلا أن الدراسات الطبية لا تؤيِّد هذا التفسير؛ إذ تشير إلى أن انهياره كان على الأرجح نتيجة مرض عصبي أو وعائي، ولا يوجد دليل علمي يثبت أن العبقرية أو التفكير العميق كانا السبب المباشر.

وهنا ينبغي التفريق بين الإرهاق الذهني وتلف الدماغ. فمن الطبيعي أن يشعر الإنسان بالتعب بعد ساعات من التركيز، كما يشعر الرياضي بالإجهاد بعد التدريب، لكن هذا لا يعني أن الدماغ يتلف بسبب التفكير، بل إنه يحتاج إلى النوم والراحة والغذاء ليستعيد نشاطه ويعيد تنظيم المعلومات التي اكتسبها.

إن ما يرهق الدماغ حقًا ليس التفكير، وإنما الحرمان المزمن من النوم، والإجهاد النفسي المستمر، وسوء التغذية، وقلة الحركة، وأمراض القلب والأوعية الدموية، وإصابات الرأس، وبعض الأمراض العصبية التنكسية.

ولعل من أجمل ما تكشفه لنا الأنثروبولوجيا أن العقل البشري لا ينمو بطريقة واحدة. فالراعي في الصحراء، والصياد في الأدغال، والبحار الذي يهتدي بالنجوم، والطبيب في غرفة العمليات، والمهندس في موقع البناء، والفيلسوف في مكتبته، كل منهم يدرب دماغه على نوع مختلف من التفكير، فتتكون داخله شبكات عصبية تتلاءم مع طبيعة عمله وبيئته. وهنا ندرك أن الذكاء ليس قالبًا واحدًا، بل وجوه متعددة لقدرة الإنسان على التكيّف والإبداع.

ويبقى الدماغ أعظم أسرار الإنسان؛ فهو العضو الذي يحاول أن يفهم نفسه بنفسه. ورغم ما وصل إليه العلم من تقدم في دراسة الخلايا العصبية والذاكرة، فإنه لا يزال عاجزًا عن كشف جميع أسراره.

ولعل الحقيقة التي يمكن الاطمئنان إليها هي أن العقل لم يُخلق ليبقى ساكنًا، وإنما خُلق ليفكر، ويتعلَّم، ويبدع، ويتأمل. فكما يضعف الجسد إذا هجر الحركة، يذبل العقل إذا هجر المعرفة. أما النشاط العقلي المتوازن، المصحوب براحة كافية ونمط حياة صحي، فلا يبدو أنه يستهلك الدماغ، بل قد يكون أحد أهم أسباب بقائه حيًا، يقظًا، وقادرًا على العطاء حتى آخر العمر.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد