في دمشق الجديدة، عثر الزعيم الكردي مظلوم عبدي على أصدقاء جدد للكرد. هناك قرر أن يودّع السلاح، ويلقي بالانفصال خارج الجغرافيا السورية الموحدة، ليس فقط لأنه مستحيل، بل لأن ثمنه كبير وأرباحه قليلة، في حين الاندماج ثمنه السلاح، أما أرباحه فكبيرة، تبدأ من هوية وطنية سورية تحفظ خصوصية الجماعات الثقافية واللغوية والعرقية والروحية داخل الدولة.
ما فعلته «قسد» (قوات سوريا الديمقراطية) محطة تأسيسية في تاريخ النضال الكردي الحديث، منذ خيبة الأمل في مؤتمر لوزان 1923، مروراً بجمهورية مهاباد، إلى سقوط البعثيين في سوريا والعراق، وما بينهما تحولات تركية - كردية حوّلت سجيناً متهماً من قِبل أنقرة بالإرهاب إلى صانع سلام.
حكاية «قسد» ودمشق لا تنفصل عن حكاية حزب العمال الكردستاني التركي وأنقرة، وما فعله مظلوم عبدي في قصر المهاجرين في دمشق، سبقه إليه الزعيم التاريخي لحركة النضال الكردي المسلح، عبد الله أوجلان، افتراضياً من سجنه. الأخير أدرك أن حقوق شعبه تؤخذ بغير السلاح، فمهّد الطريق أمام «قسد» للقيام بخطوات تاريخية ومفصلية في تاريخهما النضالي.
لا ينفصل الحدث الكردي في سوريا عمّا سبقه ما بين أنقرة و«بي كي كي»، وصولاً إلى إقليم كردستان العراق والعلاقة مع بغداد، التي بدورها ترفع شعار حصر السلاح بيد الدولة. وعلى الرغم من أن لقوات البيشمركة خصوصية منحتها إياها سلطة الحكم الذاتي بالتفاهم التام مع بغداد، فإن الأخيرة، بعد 30 سبتمبر (أيلول) المقبل، أي تاريخ انسحاب قوات التحالف الدولية، ستتحمل المسؤولية الكاملة عن أمن العراق وسيادته؛ ما يعني حماية أبنائها الأكراد من أي اعتداءات داخلية أو تهديدات خارجية.
بعيداً عن الاستعصاء الإيراني - الكردي، فإن التحولات الكردية في العراق وتركيا وسوريا هي حصيلة مسارات طويلة من الكفاح المسلح والدبلوماسية الخشنة، وتمسّك كردي بالحقوق والبقاء، أدت في النهاية إلى خيارات الاندماج، بعد قناعات كردية عامة وواقعية باستحالة التقسيم أو الانفصال، ومن ثم سقوط خيارات ما دون الدولة وما فوقها أحياناً، أو بموازاتها أحياناً أخرى، والأهم فك الارتباط بين حصرية العنف في صناعة التاريخ.
إذن، انتقلت الدول والجماعات المسلحة إلى تطبيق مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، وهذا يعني نهاية عقود من الأزمات والصراعات التي كانت تغذيها دول إقليمية بنت حضورها ونفوذها في هذه المنطقة خارج نطاق الدولة. فالهلال الإيراني، الذي هيمن على العراق وسوريا ولبنان، ودعم الجماعات الانفصالية والمتمردة كافة ضمن ما كان يعدّه مجالاً حيوياً إيرانياً مبالغاً في امتداده وحدوده، يشهد أفولاً تدريجياً لصالح هلال الاستقرار الذي تتجه إليه دول وشعوب شرق المتوسط وامتداداتها الحيوية والطبيعية، من أنقرة إلى الرياض.
هلال الأزمات استعارة جيو-استراتيجية من السياسي الأميركي العريق زبغنيو برجنسكي، عندما خطط لتطويق الاتحاد السوفياتي بدول تعيش أزمات واضطرابات، وهذا ما مارسته طهران لعقود عدة في محيطها، ليس فقط من أجل تحقيق نفوذها، بل لحماية نظامها من الداخل. ومع بداية نهاية هذا الهلال، من المفترض أن تقتنع بفشل التجربة وانعكاسها على داخلها وعلى ما تبقى لها من أتباع في المنطقة.
وعليه، فإن حصر السلاح لن يبقى حكراً على أكراد سوريا، بل سيطبق على الجماعات المسلحة كافة في داخلها وفي محيطها، وإن اللبيب من الإشارة يفهم.

