: آخر تحديث

قصائدنا اليتيمة

4
1
1

بين القصيدة والنقد في زمنٍ ليس ببعيد، ظل هناك موعدا نترقّبه ووعدا نحياه .. نكتب فتخرج القصيدة إلى صفحات الصحافة، ثم لا تلبث أن تجد قارئًا مختلفًا يقف عندها طويلًا، ليعيدها إلينا بصورة لم نرها ونحن نكتبها، إذ كان الناقد بتوقيعه الذي نعرفه ونثق به، يمنح النص حياةً أخرى، ويمنح الشاعر فرصة نادرة لأن يقرأ نفسه بعينٍ أخرى أشدّ اتساعا، حتما لم نكن نكتب للنقاد، ولم تكن القصيدة تستأذنهم قبل أن تولد، غير أننا كنا ننتظرهم بعدها بشيء من القلق الشهيّ المحفّز، كأنَّ النص حين يغادر صاحبه يحتاج إلى أبٍ آخر يتعهده بالأسئلة، ويقوده إلى المناطق التي عبرها الشاعر دون أن ينتبه إليها، هكذا كان النقد جزءًا من نمو التجربة، لا سلطةً عليها، وكانت القراءة الجادة مرآة لا تعيد للقصيدة وجهها وحسب، وإنما تكشف ما اختبأ خلفه.. اليوم تغيّر المشهد كثيرًا، انحسر ذلك النقد القارئ القريب من النص المرافق لحركته، ولم تعد الصفحات الثقافية تحتفي بالقصيدة كما كانت، أو تستكتب من يغامر بالدخول إليها، وربما أسهمت وسائل التواصل في صناعة بديل سريع، لكنه بديل يكثر فيه التصفيق حتى لا نعود نسمع صوت القصيدة نفسها، مجاملات تتناسل، وعبارات إعجاب متشابهة، وإخوانيات رقمية تمنح النص لحظةً من الضوء ولا تمنحه بالضرورة شيئًا من الوعي.

غير أن السؤال الأهم ليس أين ذهب ذلك النقد؟ وإنما ماذا يحدث للقصيدة حين تفقد قارئها النوعي؟

فالنص لا ينمو بالإعجاب وحده، والشاعر لا يحتاج دائمًا إلى من يخبره بأنه جميل.. يحتاج أحيانًا إلى من يريه كيف كان جميلًا، وأين أخفق في أن يكون كذلك، وما الذي قاله من حيث لا يدري.. وهذه مسؤولية تستحق أن تستعيدها صفحاتنا الثقافية، خصوصًا أن القائمين عليها يقفون غالبًا في تلك المسافة الخصبة بين الصحفي والمبدع، ويعرفون أن الثقافة ليست نشر النصوص فقط، وإنما صناعة الحوار حولها...

ولعل جزءًا من الفجوة يعود كذلك إلى شعور كثير من الشعراء بأن النقد المعاصر ابتعد عنهم حين احتمى بمصطلحه، واستعلى أحيانًا بلغته، حتى أصبح النص ذريعةً لاستعراض النظرية بدل أن تكون النظرية طريقًا إلى النص.. ثم انحازت بعض القراءات إلى أنماط شعرية بعينها، وفي مقدمتها قصيدة النثر، ربما لاتساعها للمناهج والمفاهيم الحديثة واقتراب بنيتها من تجارب شعرية عالمية وُلدت في فضائها كثير من تلك المصطلحات، ولست هنا في خصومة مع قصيدة النثر، فما زلت أراها خلوصًا فاتنًا لوجه الشعر، وتحررًا من أثقال كثيرة حملتها القصيدة العربية طويلًا غير أن اتساع الشعر لها لا يعني أن يضيق عمّا سواها، نحن بصدق لا نحتاج نقدًا يحرس القصيدة، ولا ناقدًا يمنحها شهادة حياة.. نحتاج فقط إلى قارئ شجاع يمشي معها قليلًا، ثم يعيدها إلينا وقد ترك على جسدها أثر أصابعه، لأن أجمل ما يفعله النقد ليس أن يخبر الشاعر ماذا كتب، وإنما أن يجعله، بعد كل قصيدة، أكثر وعيًا بما سيكتبه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد