: آخر تحديث
المختبر السياسي

الزهايمر السياسي... حين تفقد الدولة ذاكرتها وبصيرتها

2
2
1

في الطب، لا يُعد الزهايمر مجرد فقدان للذاكرة، بل هو مرض يصيب قدرة الإنسان على الإدراك، وعلى الربط بين الماضي والحاضر، وعلى التعامل الطبيعي مع الواقع من حوله، فالمشكلة ليست فقط أن الإنسان ينسى بعض التفاصيل، بل أنه قد يفقد القدرة على فهم ما يجري، أو يكرر الأخطاء نفسها، أو يعيش في صورة مختلفة عن الحقيقة، وهكذا يمكن أن تصاب الدول أيضًا بالزهايمر السياسي، فالدولة لا تفقد عافيتها فقط عندما تضعف مؤسساتها أو تقل مواردها، بل قد تمرض عندما تفقد قدرتها على رؤية واقعها، وسماع شعبها، وتعلم الدروس من تاريخها. عندها يصبح المرض أخطر من الأزمة نفسها، لأن الدولة لا تعود قادرة على تشخيص ما أصابها.

  أول أعراض هذا المرض هو العمى السياسي؛ حين تفقد السلطة القدرة على رؤية المشهد الحقيقي داخل المجتمع، فترى التقارير الرسمية بدل الواقع، والأرقام المعدة بدل الحقائق، وصور النجاح المنتقاة بدل المشكلات المتراكمة، وتصبح كل أزمة مفاجأة، رغم أن إشاراتها كانت واضحة منذ سنوات.

  العمى السياسي لا يعني غياب المعلومات، فالمعلومات قد تكون متوفرة، لكنه يعني العجز عن رؤيتها أو الاعتراف بها، فبعض الأنظمة لا تفتقر إلى من ينقل لها الحقيقة، لكنها تفتقر إلى الرغبة في سماعها، لأن الحقيقة قد تكون مؤلمة أو تهدد مصالح قائمة، ومن هنا يظهر العرض الثاني: الصمم السياسي، فحين تغلق الدولة آذانها أمام أصوات المجتمع، والنخب، والخبراء، والشباب، وتعتبر كل نقد عداءً، وكل معارضة مؤامرة، فإنها لا تحمي نفسها، بل تعزل نفسها عن الواقع، فالأذن السياسية التي لا تسمع التحذيرات قد تقود الدولة إلى أزمات كان يمكن تجنبها لو تم الإصغاء في الوقت المناسب.

  أما أخطر المراحل فهي الزهايمر السياسي نفسه؛ أي فقدان الذاكرة السياسية، حين تنسى الدول تجاربها، وتعيد إنتاج أخطائها، وتتعامل مع كل أزمة وكأنها تحدث للمرة الأولى، فالسياسة التي لا تتعلم من تاريخها تصبح أسيرة لدائرة مغلقة، تعيد فيها الأسباب نفسها وتنتظر نتائج مختلفة، ومن مظاهر هذا المرض أيضًا رفض تجديد النخب، وإبعاد الأجيال الجديدة عن مواقع المسؤولية بحجة أن الكبار أكثر خبرة وتجربة، فالخبرة قيمة لا يمكن إنكارها، لكنها تتحول إلى مشكلة عندما تصبح مبررًا لإغلاق أبواب الدولة أمام الشباب، فالدول الحية لا تختار بين الخبرة والشباب، بل تجمع بينهما؛ تستفيد من خبرة الجيل السابق وتمنح الجيل الجديد فرصة التعلم والمشاركة.

  فالسياسة التي تعتمد دائمًا على الوجوه نفسها، وتخشى التغيير، تشبه مريض الزهايمر الذي يعيش في الماضي ويعجز عن التكيف مع الحاضر، والدولة التي لا تجدد دماءها السياسية تفقد تدريجيًا قدرتها على مواجهة عالم يتغير بسرعة، لكن أخطر ما في الزهايمر السياسي أن المريض قد لا يدرك مرضه، وهنا تكمن صعوبة العلاج؛ لأن الإصلاح يبدأ بالاعتراف بالمشكلة، فالدولة التي لا ترى عيوبها، ولا تسمع أصواتها، ولا تتعلم من أخطائها، ستظل تدور في الحلقة نفسها مهما تغيرت الشعارات.

إن قوة الدول لا تقاس فقط بما تملكه من ثروات أو مؤسسات، بل بقدرتها على رؤية الحقيقة، والاستماع إلى النقد، وتذكر دروس التاريخ، وتجديد قادتها. فالدولة التي تفقد ذاكرتها وبصيرتها قد تبقى قائمة في الشكل، لكنها تبدأ بفقدان روحها في الداخل، فالزهايمر السياسي لا يسقط الدولة في لحظة، لكنه يجعلها تنسى الطريق الذي يقودها إلى المستقبل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.