ليست قيمة القرار في صدوره بل في قدرته على الوصول إلى الميدان وتحقيق الغاية التي صدر من أجلها وبين القرار والميدان مساحة لا يختبرها الورق بل يكشفها التطبيق وهنا تظهر قدرة المسؤول على أن يسمع ويراجع ويطوّر.
هذا ما توقفت عنده وأنا أتابع المؤتمر الصحفي لمعالي وزير التعليم الأستاذ يوسف بن عبدالله البنيان لم تكن المسألة بالنسبة لي في عدد القرارات التي طُرحت ولا في تفاصيلها على أهميتها بقدر ما كانت في عقلية إدارية بدت أكثر قربًا من واقع التعليم وأكثر مرونة في التعامل مع متغيراته.
فالوزير الذي يراجع قرارًا حين يثبت الميدان حاجته إلى المراجعة لا يتراجع بل يمارس مسؤولية القرار والمسؤول الواثق لا يخشى أن يعيد النظر فيما اتخذه متى كانت المصلحة تقتضي ذلك لأن الغاية ليست أن يبقى القرار بل أن يبقى ذا فائدة.
ومن هنا جاءت مراجعة برنامج حضوري وتكييفه مع جداول المعلمين خطوة موفقة لأنها أعادت الإجراء إلى غايته ووضعت الميدان في مكانه الطبيعي داخل معادلة القرار فالأنظمة وُجدت لتخدم العمل وترفع كفاءته لا لتصبح غاية بذاتها ولا لتضيف إلى الميدان أعباء شكلية لا تنعكس على الطالب ولا على جودة التعليم.
وفي المؤتمر طُرحت توجهات أخرى من بينها استقطاب جامعات عالمية إلى المملكة وهي خطوة تعكس طموحًا يتجاوز تطوير الموجود إلى صناعة بيئة تعليمية أكثر تنافسية وانفتاحًا على التجارب العالمية لكن ما يلفت النظر أكثر أن التعليم السعودي اليوم يتحرك في مساحة أكبر من مجرد إدارة عام دراسي إنه يتحرك ضمن مشروع وطني يرى في المعرفة استثمارًا وفي الإنسان رأس المال الحقيقي للمستقبل وهذا من مستهدفات رؤية السعودية 2030.
وهنا لا بد من قول كلمة حق: ما وصل إليه التعليم السعودي لم يكن وليد اللحظة بل ثمرة دعم كبير ومستمر من قيادتنا وإيمان بأن بناء الوطن يبدأ من بناء الإنسان.
فالتعليم ليس فصلًا وكتابًا وشهادة فحسب بل هو أحد أهم خطوط الدفاع عن الوطن في المدرسة يُبنى الوعي وفي الجامعة تتشكل المعرفة ومنهما يخرج الطبيب والمهندس والمخترع والإعلامي والصحفي ورجل الأمن والجندي، وكل يدٍ وعقل يشاركان في بناء هذه البلاد.
ومخرجاتنا الوطنية تتحدث عن نفسها فالعقل السعودي أثبت في الطب والابتكار والعلوم والإعلام والأمن، وفي ميادين كثيرة أنه متى وجد الفرصة صنع الفارق ومتى فُتح أمامه الطريق لم يقف طموحه عند حدود.
لذلك فإن الحديث عن تطوير التعليم ليس حديثًا عن وزارة وحدها بل عن مستقبل وطن وكل قرار يخفف العوائق عن المعلم ويرفع جودة البيئة التعليمية ويمنح الطالب فرصة أفضل هو استثمار تعود منفعته على الوطن.
خرجت أثناء مشاهدتي للمؤتمر بانطباع إيجابي وزير يتحدث بشفافية، يراجع ويطوّر ويضع الميدان في قلب المشهد. وهذا هو الأهم لأن القرارات لا تُقاس بكثرة ما يُعلن منها بل بما تصنعه بعد أن تصل إلى الناس.
فالقرار الذي لا يسمع صوت الميدان قد ينجح على الورق أما القرار الذي يولد قريبًا منه فهو الأقدر على صناعة الإيجابية في عجلة التطوير.

