: آخر تحديث

شعبٌ لا يوضع تحت الاختبار

5
3
2

ينهار الادّعاء بأنّ على الفلسطينيين إثبات أهليّتهم للحرية في اللحظة التي نطبّق فيها المعيار نفسه على من يملكون القوة فوقهم. يُطلب من الفلسطينيين أن يخضعوا لـ"نزع التطرّف"، فيما يكشف وزير إسرائيلي عن مشنقة أُعدّت لأسرى فلسطينيين، ومعها مقصورات لمشاهدة الإعدام. ويُقال لهم إنّ قوميتهم تجعلهم خطرين، بينما يحظى الضمّ والتوسّع الاستيطاني بتأييد واسع داخل المجتمع الإسرائيلي اليهودي. ويُطلب منهم أن يبرهنوا على إنسانيتهم، في حين أنّ المجتمع الذي يخوض الحرب على غزة أظهر مرارًا قدرًا لافتًا من اللامبالاة تجاه المدنيين الذين يقتلهم. لم يعد السؤال هو ما إذا كانت السياسة الفلسطينية بحاجة إلى إصلاح، فهي بحاجة إليه بلا شكّ. السؤال هو لماذا يُطلب من شعب واحد دون سواه أن يجتاز امتحانًا في التحضّر قبل أن يُسمح له بامتلاك أيّ حقوق أصلًا.

ثمّة ما هو فاحش في أن يُقال للفلسطينيين، بعد غزة، إنّهم أسقطوا عن أنفسهم الحقّ في تقرير المصير. إنّ التهمة الموجَّهة إليهم ليست النقد المشروع والمعتاد لحماس، أو للقيادة الفلسطينية، أو للاعتداءات على المدنيين، فتلك كلّها موضوعات مشروعة للنقاش، وليس في هذا المقال ما يسعى إلى التستّر عليها. لكنّ التهمة تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير. فهي تحوّل سلوك تنظيمات بعينها وقادة بعينهم إلى إدانة لشعب بأكمله، ثمّ تستخدم هذه الإدانة لتبرير إخضاع لا نهاية له. لقد رسب الفلسطينيون في الامتحان، هكذا يُقال لنا. لا دولة. لا سيادة. لا حقّ في تقرير مستقبلهم. وربما تهجير من غزة. وربما "إعادة تأهيل". وربما، بعد أن يثبتوا جدارتهم في مكان آخر وبما يُرضي سواهم، إعادة نظر بعيدة في وضعهم.

هذه هي الوصاية الاستعمارية بعد أن نُزعت عنها ألفاظ التلطّف. تقرير المصير ليس جائزة تُمنح مكافأة على حسن السلوك، وليس مشروطًا بشهادة حُسن سيرة تصدرها الدولة التي تحتلّ أرضك. يملك الفلسطينيون الحقّ في تقرير المصير لأنّهم شعب، ولا سبب آخر غير ذلك. وهذا بالضبط ما أعادت محكمة العدل الدولية تأكيده في تموز (يوليو) 2024، حين وصفت تقرير المصير الفلسطيني بأنّه حقّ غير قابل للتصرّف، وقضت بأنّ استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلّة غير مشروع. وهذا أمر أهمّ ممّا قد يبدو للوهلة الأولى، فالحقّ الذي يمكن سحبه عقابًا على سوء السلوك ليس حقًّا على الإطلاق، بل رخصة تُمنح وتُسحب وفق هوى من يملك سلطة منحها. ومعاملة تقرير المصير باعتباره شيئًا على الفلسطينيين أن يستحقّوه هي في ذاتها إنكار لكونهم يملكونه.

هذا وحده كاف لدحض الحجّة. لكنّ الحجّة تستحقّ أن تُواجَه على أرضها هي، لأنّها لا تصمد أمام هذه المواجهة. لِنُسلّم، جدلًا، بمقدّمتها الأساسية: أنّ الشعب يمكن أن يفقد حقوقه السياسية، وأنّ التطرّف، وتعسّف الحكومات، والثقافة السياسية التي تتسامح مع العنف، ولامبالاة الرأي العام بمعاناة الآخرين، أو صعود المتطرّفين إلى السلطة، أمور قد تُسقط عن أمّة أهليّتها للسيادة. لو كان هذا المبدأ سليمًا، لما جاز تطبيقه على طرف واحد دون سواه. فالمعيار الذي لا يُمتحن به إلا الضعيف ولا يُمتحن به القويّ أبدًا ليس معيارًا، بل تراتبية ترتدي زيّ المبدأ. فلنطبّقه إذن بأمانة، في الاتجاهين معًا، ولننظر ماذا يحدث.

الأدلّة المتعلّقة بالمجتمع الإسرائيلي المعاصر مقلقة، وهي لا تأتي من مصادر فلسطينية. من الخطأ الادّعاء بأنّ كلّ إسرائيلي يؤيّد ما خلصت إليه لجنة التحقيق الدولية المستقلّة التابعة للأمم المتحدة في أيلول (سبتمبر) 2025 من أنّه يرقى إلى إبادة جماعية في غزة. ففي إسرائيل معارضون شجعان: منظمات حقوقية، وصحافيون، وجنود احتياط رفضوا الخدمة، ومواطنون فلسطينيون، وإسرائيليون يهود عارضوا الحرب ودفعوا ثمنًا اجتماعيًا وسياسيًا لموقفهم. والحجّة النزيهة لا بدّ أن تعترف بهم. لكنّ وجودهم لا يجوز أن يُستخدم لإخفاء الصورة الأوسع من ورائهم.

وقد خلصت تلك اللجنة، بعد أن فحصت السلوك الإسرائيلي وتصريحات كبار المسؤولين، إلى أنّ السلطات وقوات الأمن الإسرائيلية ارتكبت أربعًا من الأفعال الخمسة التي تُعرّفها اتفاقية منع الإبادة الجماعية بوصفها أفعال إبادة، وأنّ نيّة الإبادة يمكن استنتاجها من نمط السلوك. وترفض إسرائيل هذا الاستنتاج رفضًا قاطعًا. ويمكن للمرء أن يجادل في التكييف القانوني. أمّا ما يصعب الجدال فيه كثيرًا فهو مدى القبول أو الدفاع أو اللامبالاة التي قوبلت بها، في أوساط الجمهور الإسرائيلي اليهودي، سياسات أنتجت معاناة فلسطينية كارثية.

ففي أيار (مايو) 2025، وجد استطلاع للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية أنّ 76.5 بالمئة من المستطلَعين اليهود يرون أنّ على إسرائيل أن تولي معاناة المدنيين الفلسطينيين وزنًا ضئيلًا أو ألّا توليها أيّ وزن حين تخطّط لعملياتها العسكرية في غزة. ونحو الثلثين عارضوا زيادة المساعدات الإنسانية. ووجد استطلاع آخر أنّ نحو أربعة أخماس الإسرائيليين اليهود لم ينزعجوا، أو لم ينزعجوا كثيرًا، من أنباء المجاعة والمعاناة الجماعية في غزة. هذه الأرقام ليست من إنتاج دعاية حماس، بل تأتي من أبحاث الرأي العام الإسرائيلية، وهي تُسقط الوهم المريح القائل إنّ التطرّف الظاهر في الحكومة لا يتجاوز حفنة تلتفّ حول بن غفير وسموتريتش. المشكلة أوسع من الحافّة المتطرّفة. فلغة التهجير والعقاب الجماعي والهيمنة الدائمة دخلت الخطاب السياسي السائد لأنّ ثمّة جمهورًا مستعدًا لسماعها. تحرّك المركز، وصار ما كان لا يُقال ممكن القول، وتلاشى المدنيّ الفلسطيني تدريجيًا من المخيّلة السياسية الإسرائيلية بوصفه كائنًا تفرض معاناته أيّ رادع أخلاقيّ حقيقيّ.

ولا تتوقّف الأدلّة عند غزة. ففي آب (أغسطس) 2026، وجد معهد سياسات الشعب اليهودي أنّ أربعة من كلّ عشرة إسرائيليين يهود يؤيّدون ضمّ الضفة الغربية بأكملها، وأنّ 55 بالمئة يرون أنّ على كلّ مستوطنة يهودية هناك أن تبقى تحت السيادة الإسرائيلية. وكان الخيار الغالب في أوساط اليمين الإسرائيلي هو الضمّ المقترن بترحيل السكّان الفلسطينيين. وأظهرت سلسلة المعهد الأطول أنّ تأييد الإسرائيليين اليهود لإحكام السيطرة وتوسيع الاستيطان وربما ضمّ الأرض ارتفع من 38 بالمئة عام 2024 إلى 48 بالمئة عام 2026. وهذا أيضًا ليس قناة هامشية على تلغرام، بل رأي عام يتحرّك باطّراد في اتجاه واحد.

وهنا ينقلب منطق الاتهام على أصحابه. فإذا كان التطرّف وشهوة الأرض يُسقطان أهليّة شعب لحكم نفسه، فهذا هو الشكل الذي ينبغي أن يبدو عليه فقدان الأهليّة. فمن الذي يرفض العيش المشترك، بالضبط، حين يؤيّد قطاع واسع ومتزايد من السكّان المهيمنين أخذ الأرض مع حرمان من يعيشون عليها من العضوية السياسية المتساوية؟ وأيّ تصوّر للعيش المشترك هذا الذي يُبقي أمّة واحدة ممسكة بالسيادة والجيش والحدود والمستوطنات وسجلّ الأراضي وحرية الحركة والمواطنة، بينما لا يُعرض على الأخرى سوى الإخضاع الدائم أو طريق الرحيل؟

والضفة الغربية تجعل التجريد ملموسًا. فبحلول آب (أغسطس) 2026، أفادت الأمم المتحدة بأنّ السلطات الإسرائيلية دفعت أو صادقت على نحو 12,360 وحدة سكنية استيطانية خلال العام، ورصدت مئات الملايين من الدولارات لمستوطنات جديدة، بينما تنقل المزيد فالمزيد من إدارة الضفة الغربية من أيد عسكرية إلى أيد مدنية إسرائيلية، بما يُعمّق آلة السيطرة الدائمة. وخلال الفترة نفسها، سجّلت الأمم المتحدة أكثر من 1,430 حادثة عنف استيطاني حتى العاشر من آب (أغسطس)، مع تهجير نحو 3,800 فلسطيني عبر ذلك العنف وعمليات الهدم والإخلاء. وكان تقييمها صريحًا: الفلسطينيون يُطرَدون من أرض يستولي عليها المستوطنون بعدهم. ثمّ فتحت إسرائيل عطاءات لـ1,234 وحدة إضافية في منطقة E1، وهو مشروع يستحيل أن يُخطئ المرء أثره، إذ يقطع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها ويُجهض قيام دولة فلسطينية ذات سيادة قابلة للحياة. سمِّه توسّعًا استيطانيًا، أو ضمًّا، أو صناعة للأمر الواقع. أمّا بالنسبة إلى الفلّاح الذي يشاهد تلّة تختفي خلف طرق المستوطنات والأوامر العسكرية والمستوطنين المسلّحين، فالمفردة أبسط من ذلك كلّه: الأرض تُؤخَذ.

وإزاء هذا البنيان تحديدًا يستحقّ اكتشاف مايك هاكابي المفاجئ للغضب الأخلاقي أن يُوضع تحت التدقيق. فالسفير الأميركي يُدين الآن هجمات المستوطنين في قصرة بوصفها إرهابًا. وقد استحضر الوصية "لا تسرق" في مواجهة المستوطنين الذين يستولون على أملاك الفلسطينيين، ولوّح بإمكان فرض عقوبات. وهذا أمر محمود. لكن يجدر السؤال: أين كان هذا اللاهوت بينما كان البنيان السياسي والإقليمي لنزع الملكية يُشاد؟ إنّ هاكابي ليس متفرّجًا عابرًا على المشروع الاستيطاني، بل كان من أشدّ المدافعين الأميركيين عنه حماسة. لطالما رفض اللغة التقليدية للاحتلال، وأيّد الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، وعامل فكرة الدولة الفلسطينية بارتياب صريح. ووصفته رويترز عند تعيينه بأنّه مؤيّد قديم للمستوطنات في الأرض المحتلّة. وفي آب (أغسطس) 2025 قال إنّ التحرّكات الأوروبية نحو الاعتراف بفلسطين أعطت إسرائيل فعليًا "ضوءًا أخضر" لأخذ المزيد من الضفة الغربية عبر الضمّ أو بسط السيادة. وبحلول أيلول (سبتمبر) كان يؤكّد أنّ الولايات المتحدة لم تطلب من إسرائيل قطّ ألّا تبسط سيادتها هناك.

والآن، بعد أن بلغ عنف المستوطنين من الوقاحة حدًا يطال فلسطينيين يحملون الجنسية الأميركية، ومن القبح حدًا يُحرج إسرائيل حتى في واشنطن، يكتشف هاكابي أنّ سرقة أملاك الفلسطينيين تخالف شريعة الله. وللمرء أن يرحّب بالتوبة من دون أن ينسى الموعظة التي سبقتها. فحين تُقرأ لغته الجديدة في ضوء سجلّه هو، تبدو أقرب إلى احتواء الضرر منها إلى تغيّر في القلب، ومحاولة للفصل بين مشروع استيطاني يُفترض أنّه محترم وبين العنف الذي لطالما رافقه. وهذا الفصل يزداد استحالة، لأنّ عنف المستوطنين لا يقع في فراغ. فالطرق، والحماية الأمنية، والحماية القانونية، والوجود العسكري، والتمويل الحكومي، والتراخيص، لا تظهر من تلقاء نفسها. المستوطن الفرد الواقف على باب البيت الفلسطيني هو الحلقة الأخيرة في بنية وظيفتها بأكملها هي النقل المتواصل للأرض والسلطة من الفلسطينيين إلى الإسرائيليين. وإدانة الرجل الذي يصل إلى البيت مع الدفاع عن الآلة التي حملته إلى التلّة قراءة انتقائية على نحو غريب للوصية "لا تسرق".

ثمّ هناك إيتمار بن غفير. فوزير الأمن القومي كشف الآن عن إنشاء منشأة تضمّ مشنقة مخصّصة لإعدام الأسرى الفلسطينيين، مزوّدة بمقصورات يشاهد منها ذوو الضحايا عمليات الشنق. وأعلن بفخر أنّ إسرائيل "تصنع التاريخ". وقبل أيام كان قد دعا إلى قتل ثلاثين إلى أربعين شخصًا في غزة كلّ ليلة، وأيّد تهجير الفلسطينيين، ودعا إلى استئناف الاستيطان الإسرائيلي في القطاع. تأمّل المشهد. وزير في حكومة الدولة التي تطالب بإخضاع الفلسطينيين لبرامج "نزع التطرّف" يتفقّد مشنقة، ويتحدّث عن عمليات شنق، ويشير إلى المقصورات المعدّة للمتفرّجين، ويحتفل، بينما الفلسطينيون هم من يصرّ الخطاب الغربي على أن يثبتوا أوّلًا أنّهم تجاوزوا ثقافة العنف.

الانقلاب هنا كامل. فلو أنّ وزيرًا فلسطينيًا تفقّد مشنقة حديثة البناء أُعدّت لأسرى يهود، وتباهى بأنّ يهودًا سيُشنقون عليها، وأشار بفخر إلى المقصورات التي يمكن لعائلات فلسطينية أن تشاهد منها موتهم، لما تلعثمت صحيفة غربية محترمة في إيجاد اللفظ المناسب. لكان الحدث قد صُوِّر دليلًا على تطرّف مجتمعيّ عميق. ولاستُشهد به برهانًا على أنّ المؤسّسات الفلسطينية غير أهل للسيادة. ولطالب وزراء خارجية بالإدانة، ولعقدت مراكز الأبحاث مؤتمرات عن المرض السياسي الفلسطيني. أمّا حين يقدّم وزير إسرائيلي هذا المشهد ذاته في جوهره، فيُطلب منّا أن نعزله عن النظام السياسي الذي عيّنه، بينما تُعامَل حماس بوصفها معطى أنثروبولوجيًا عن الفلسطينيين كافّة. لم يعد بالإمكان الدفاع عن هذا التفاوت.

ثمّ يأتي جاريد كوشنر. ففي آب (أغسطس) 2026، بعد نحو ثلاث سنوات دُمّرت فيها غزة، وهُجّر سكّانها مرّة بعد أخرى، وقُتل عشرات الآلاف، شرح كوشنر ما ينتظر الفلسطينيين إن لم تلتزم حماس بالإطار الأميركي لنزع السلاح. قال إنّ إسرائيل ستحظى بدعم أميركي ودولي أكبر كي "تُنهي المهمّة". والعبارة بشعة على وجه الدقّة بسبب ما ارتُكب فعلًا. فما الذي بقي كي يُنهى؟ لقد نالت غزة من الدمار قدرًا دفع لجنة أممية إلى استنتاج أنّ إبادة جماعية قد ارتُكبت. بيوتها وجامعاتها ومستشفياتها ومدارسها ومؤسّساتها الثقافية باتت ركامًا، وشعبها تحمّل تهجيرًا جماعيًا ومجاعة ممتدّة. في هذا السياق، ليست عبارة "إنهاء المهمّة" لغة صنع سلام. إنّها لغة مشروع ينتظر الاكتمال، وللفلسطينيين أن يسألوا ماذا يعني الاكتمال. مزيد من القصف. مزيد من التهجير. مزيد من الاستيلاء. مزيد من البشر يُحشرون في مساحة لا تنفكّ تضيق. غزة تُفرَّغ بما يكفي لإفساح المكان لرؤية شخص آخر لها. وكان كوشنر قد تحدّث فعلًا عام 2024 عن الواجهة البحرية "الثمينة جدًا"، ولوّح بفكرة نقل السكّان المدنيين ريثما تُنظَّف الأرض. والكلمات تكتسب معناها من سياقها. وأن يُقال لشعب محطَّم إنّ إعادة الإعمار ستُحجب عنه إلى أن تُلبَّى مطالب سياسية، في حين يُطمأنّ الطرف الأقوى إلى أنّه قد يُعان على "إنهاء المهمّة"، فذلك ليس وساطة، بل إكراه يُمارَس بمفردات السلام.

وكلّ هذا يعيدنا إلى المطلب الأصلي. حسنًا، فليكن امتحان "نزع التطرّف" شاملًا للجميع. اسألوا المجتمع الفلسطيني الأسئلة الصعبة عن حماس، وعن الاعتداءات على المدنيين، وعن الاستبداد، وعن معاداة السامية. لكن وجّهوا بعد ذلك أسئلة بالوزن نفسه إلى المجتمع الإسرائيلي. فماذا يُقال في جمهور يرى ثلاثة أرباعه أن تُولى معاناة المدنيين الفلسطينيين وزنًا ضئيلًا أو معدومًا في القرارات العسكرية، وفي قطاعات واسعة تؤيّد الضمّ وترحيل شعب، وفي وزراء يدعون إلى التهجير والاستيطان والقتل الليلي، وفي مشنقة بُنيت ومعها مدرَّج للمشاهدة؟ وماذا يُقال في ثقافة سياسية غربية لا يدفعها أيّ من هذا إلى أيّ نقاش جاد حول ما إذا كان على الإسرائيليين أن يثبتوا أهليّتهم للسيادة؟

الجواب ليس غامضًا. الإسرائيليون يُفترض أنّهم يملكون الحقوق أيًّا كان ما تفعله حكومتهم. والفلسطينيون مطالَبون باكتسابها. تلك هي التراتبية القائمة في صميم الحجّة كلّها، وما إن تُسمّى حتى تظهر في كلّ مكان. العنف السياسي الإسرائيلي يُقرأ سياسة، والعنف السياسي الفلسطيني يُقرأ مرضًا. التطرّف الإسرائيلي يُنتج شريكًا صعبًا في الائتلاف، والتطرّف الفلسطيني يُبطل، زعمًا، القومية الفلسطينية. التوسّع الإقليمي الإسرائيلي يصنع "وقائع على الأرض"، وتعلّق الفلسطينيين بالأرض نفسها يصير قومية خطرة. أمن الإسرائيليين استحقاق، وأمن الفلسطينيين مشروط به. لإسرائيل أن تُجلس بن غفير في حكومتها وتظلّ صاحبة سيادة بالحقّ. أمّا الفلسطينيون، فيما يبدو، فعليهم أوّلًا أن يُنتجوا أمّة من الغانديين قبل أن يُعترف لهم بحقّهم في الحرية. لم يُخضَع أيّ شعب في التاريخ لمعيار كهذا، ولا ينبغي لأيّ شعب أن يقبله.

ومن المهمّ أن نكون دقيقين في ما تدّعيه هذه المقارنة وما لا تدّعيه. إنّ سجلّ السلوك الإسرائيلي لا يُساق للبرهنة على أنّ الإسرائيليين أسقطوا حقّهم هم في تقرير المصير، وقضية الحرية الفلسطينية لا تقوم عليه. فالمبدأ يسري في الاتجاهين بحكم تكوينه: لا يجوز تجريد أيّ شعب من حق أساسي بسبب سلوك حكومته أو متطرّفيه أو مزاج جمهوره، وهذا بالضبط ما يفصل هذه الحجّة عن الانتقام. إنّها لا تقول إنّ الإسرائيليين يستحقّون الإخضاع، بل تقول إنّ لا أحد يستحقّه. حقوق الفلسطينيين قائمة على أساسها الخاصّ، وهو الحقّ غير القابل للتصرّف لشعب، وكانت ستبقى قائمة ولو كان المجتمع الإسرائيلي نموذجًا في الاعتدال الليبرالي. المقارنة تُثبت شيئًا آخر، قاتلًا بالنسبة إلى الاتهام: فهي تُظهر أنّ امتحان الأهليّة لا يُطبَّق أبدًا على القويّ، وأنّ امتحانًا لا يُطبَّق إلا على الضعيف ليس معيارًا للعدل بل تسويغًا للقوّة. الانتقائية هي البرهان. فما إن تُصرّ على قياس المجتمعين بالمعيار نفسه حتى ينكشف جهاز "عدم أهليّة" الفلسطينيين لا بوصفه حاجزًا مبدئيًا، بل ذريعة يُتوسَّل بها لتبرير إخضاع مقرَّر سلفًا.

ولهذا أيضًا فإنّ القول بأنّ حلّ الدولتين قد "فات أوانه" أخطر ممّا يعترف به قائلوه. فثمّة مبدأ راسخ في القانون الدولي، أقدم من النزاع الراهن، مفاده أنّ الباطل لا يُنشئ حقًا: ex injuria jus non oritur. فإذا بدّدت إسرائيل، بتوسيع الاستيطان، الإمكان الإقليمي لقيام دولتين، فإنّها لا تكتسب بذلك سندًا قانونيًا أو أخلاقيًا لما استوطنته. لا يجوز للمرء أن يدمّر إمكان قيام السيادة الفلسطينية ثمّ يحتجّ بهذا الدمار دليلًا على أنّ الفلسطينيين لم يعودوا مؤهّلين لها. ذلك ليس واقعية، بل استيلاء بالأمر الواقع مُلبَّس لبوس الدبلوماسية، والقانون يأبى أن يصادق عليه، لأنّ المصادقة عليه مكافأة على الأخذ.

وإذا لم يكن ثمّة، حقًا، دولة فلسطينية، فإنّ التبعات الدستورية لا يمكن التملّص منها. فإذا صار التقسيم الإقليمي مستحيلًا، غدت المساواة السياسية داخل النظام الإقليمي الواحد أمرًا لا مفرّ منه. مواطنة واحدة. صوت واحد لكلّ فرد. حماية متساوية. حرية حركة متساوية. حقوق ملكية متساوية. مشاركة متساوية. وصول متساو إلى الأرض. كرامة دستورية متساوية. وأيّ شيء دون ذلك ليس عيشًا مشتركًا، بل تفوّقًا دائمًا تحت اسم ألطف. وهذا هو السؤال الذي يتهرّب منه خصوم الدولة الفلسطينية باستمرار. فإذا كانت فلسطين محرَّمة، فما الذي يُعرض على الفلسطينيين بدلًا منها بالضبط؟ لا استقلال. لا مساواة. لا عودة. لا سيادة. لا سيطرة على حدودهم. لا وحدة إقليمية. ولا حتى حيازة آمنة لأرضهم في الضفة الغربية. ما يبقى هو إدارة دائمة يتولّاها سواهم، وتلك ليست خطّة سلام بل برنامج لإدارة شعب مُخضَع.

وهذه النتيجة تتجاوز الاحتلال إلى الطابع الدستوري لإسرائيل نفسها. فلا تستطيع إسرائيل أن تستمرّ إلى ما لا نهاية بصورتها الحالية، نظامًا تُصان فيه السيادة السياسية لشعب عبر تجريد شعب آخر من أرضه، من خلال التجزئة الإقليمية، والتفاوت في الوصول إلى الأرض، وإنكار الحقوق القومية والسياسية المتساوية. هذا بالضبط ما تصفه عبارة "الاستعمار الاستيطاني" حين تُستعمل بدقّة، بوصفها وصفًا لكيفية عمل البنية لا شتيمة تُقذف، ولا تكتسب دولة إعفاء دائمًا من التغيير الدستوري لمجرّد أنّ الامتيازات التي تحميها قد دامت أجيالًا.

تفكيك الاستعمار لا يعني طرد اليهود الإسرائيليين، ولا إنكار وجودهم الجماعي، ولا استبدال تفوّق قوميّ بتفوّق قوميّ آخر. إنّه يعني تفكيك البنى القانونية والسياسية التي تمنح شعبًا واحدًا امتيازًا قانونيًا وسياسيًا في الأرض والمواطنة وحرية الحركة والسيادة. ليس مطلوبًا من الإسرائيليين أن يختفوا. المطلوب أن يختفي إخضاع الفلسطينيين. وإذا كانت إسرائيل نفسها قد أجهضت أيّ سيادة فلسطينية ذات معنى عبر الاستيطان والضمّ، فإنّ النظام السياسي الحاكم للأرض لا بدّ أن يتغيّر. فإمّا دولة فلسطينية ذات سيادة حقيقية إلى جانب إسرائيل، وإمّا نظام دستوري قائم على مساواة كاملة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. أمّا ما لا يمكن الإبقاء عليه فهو بنية دولة يتوقّف بقاؤها على حرمان ملايين الفلسطينيين من السيادة أو المواطنة أو السلطة السياسية المتساوية.

الفلسطينيون إذن ليسوا مُلزَمين بأن يبرهنوا على أنّهم معتدلون بما يكفي كي يستحقّوا الحرية. إنّهم يحتاجون إلى الحرية لأنّه ما من شعب ينبغي أن يعيش إلى الأبد تحت تفوّق شعب آخر. نعم، مؤسّسات الفلسطينيين بحاجة إلى إصلاح. وقيادتهم بحاجة إلى تجديد. ويمكن معارضة حماس ورفض العنف ضدّ المدنيين. لا شيء من ذلك ينتقص من فلسطين. وبعد غزة، وبعد الضمّ، وبعد عنف المستوطنين، وبعد E1، وبعد وزراء يبشّرون بالتهجير، وبعد مشنقة بمقاعد للجمهور، ثمّة ما يقارب الفحش في أن يظلّ السؤال قائمًا عمّا إذا كان الفلسطينيون قد برهنوا على أنّهم متحضّرون بما يكفي لحكم أنفسهم.

لعلّ الوقت قد حان لقلب السؤال. ماذا فعل الاحتلال بالمجتمع الذي يديره؟ ماذا فعلت الهيمنة الدائمة بالثقافة السياسية الإسرائيلية؟ ماذا يحدث لشعب حين تصير معاناة شعب آخر ضجيجًا في الخلفية، وحين يصير الاستيلاء على الأرض وطنية، والتهجير سياسة، ومعاناة السكّان المدنيين أمرًا لا وزن استراتيجيًا له، وحين يستطيع وزير في الحكومة أن يحوّل شنق الفلسطينيين إلى مسرح انتخابي؟ لم تعد هذه أسئلة عن حفنة من المتطرّفين، بل أسئلة عن الثقافة السياسية التي جعلت هؤلاء المتطرّفين ممكنين.

الفلسطينيون ليسوا متقدّمين بطلب أمام محكمة إسرائيلية للجدارة القومية. وإسرائيل ليست مالكة لحقوقهم السياسية. وهاكابي ليس وصيّهم التوراتي. وكوشنر ليس مخوّلًا أن يقرّر متى يكون تدمير غزة قد "اكتمل" بما يكفي. ومشانق بن غفير لا تُظهر حضارة إسرائيلية في مواجهة بربرية فلسطينية، بل تُظهر، بوضوح لا يُحتمل، بالضبط لماذا لا ينبغي لأيّ شعب أن يملك سلطة غير مقيّدة على شعب آخر.

الفلسطينيون لا يحتاجون إلى فترة اختبار. ولا إلى بلد أجنبيّ يؤدّون فيه امتحانًا على إنسانيتهم. ولا إلى برنامج تأهيل يضعه من يحتلّون أرضهم. لا يحتاجون إلى إذن كي يتذكّروا من أين جاؤوا، ولا إلى إذن كي يسمّوا أنفسهم فلسطينيين، ولا إلى إذن كي يطالبوا بفلسطين. أرضهم ليست مكافأة إسرائيلية تُمنَح. وحرّيتهم ليست تنازلًا أميركيًا يُقايَض. ووجودهم ليس مشروطًا. وبعد كلّ ما فُعل بهم، فإنّهم ما زالوا هناك.

وذلك، في نهاية المطاف، لعلّه ما يجد خصومهم صعوبة بالغة في تقبّله. الفلسطينيون لم يختفوا. لم ينسوا. ولن يرحلوا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.