في الرابع والعشرين من آب (أغسطس) 1982، لم يكن اليمن يضيف يومًا جديدًا إلى روزنامته السياسية فحسب، بل كان يفتح صفحة مختلفة في تاريخ العمل الوطني.
ففي صنعاء انعقد المؤتمر العام الأول للمؤتمر الشعبي العام، في لحظة سياسية وتاريخية شديدة التعقيد، تحت شعار "من أجل ميثاق وطني يجسد عقيدة الشعب وأهداف الثورة"، لتبدأ تجربة سياسية ستصبح، على مدى أربعة وأربعين عامًا، واحدة من أكثر التجارب حضورًا وتأثيرًا في تاريخ اليمن الجمهوري الحديث.
واليوم، في 24 آب (أغسطس) 2026، تأتي الذكرى الرابعة والأربعون لتأسيس المؤتمر الشعبي العام بوصفها أكثر من مناسبة حزبية، إنها مناسبة تتيح لليمنيين إعادة قراءة مرحلة طويلة من تاريخ دولتهم ومجتمعهم، واستحضار وثيقة سياسية وفكرية حملت اسم الميثاق الوطني، ثم طرح السؤال الأكثر أهمية: ماذا بقي من فكرة الدولة الجامعة التي أراد الميثاق أن يؤسس لها؟ وكيف يمكن تحويل الذكرى من احتفال بالماضي إلى طاقة سياسية للمستقبل؟
إن قيمة هذه المناسبة لا تكمن في عدد السنوات وحده، وإنما في حجم التحولات التي مر بها اليمن خلال هذه السنوات، من دولة ما قبل الوحدة، إلى قيام الجمهورية اليمنية في 22 أيار (مايو) 1990، إلى التعددية السياسية، ثم الأزمات والصراعات والحروب والانقسامات التي أعادت طرح سؤال الدولة والوحدة والمواطنة والقانون بصورة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
الميثاق الوطني.. الفكرة التي سبقت التنظيم
من الخطأ قراءة المؤتمر الشعبي العام باعتباره حزبًا تقليديًا ظهر ثم بحث لاحقًا عن برنامج سياسي، فالبداية كانت مختلفة.
تشير المصادر التاريخية المتعلقة بالميثاق الوطني إلى أن التحضير لصياغته بدأ في عهد الشهيد إبراهيم الحمدي، واستمر في عهد الزعيم علي عبدالله صالح.
ففي 27 أيار (مايو) 1980، شُكلت لجنة مكونة من 51 شخصًا برئاسة حسين عبدالله المقدمي، وتزامن ذلك مع فتح المجال أمام المواطنين في مختلف أنحاء الجمهورية لإبداء ملاحظاتهم ومقترحاتهم بشأن مشروع الميثاق، بما يتيح مشاركة أوسع في صياغة الوثيقة ومضامينها.
وبعد جمع الملاحظات والمقترحات، أعيدت صياغة الوثيقة في ضوء ما قدمه المواطنون من آراء، لتأخذ صورتها النهائية التي مهدت لإقرارها في المؤتمر العام الأول، المنعقد في آب (أغسطس) 1982.
وهكذا، لم يكن الميثاق الوطني وليد لحظة سياسية عابرة، بل جاء ثمرة مسار امتد لسنوات، بدأ في عهد الشهيد إبراهيم الحمدي واستُكمل في عهد الزعيم علي عبدالله صالح، وصولًا إلى إقراره في المؤتمر العام الأول عام 1982.
وهنا تكمن إحدى أهم دلالات التجربة:
الميثاق جاء بوصفه محاولة لصياغة إطار فكري وطني جامع، ثم جاء التنظيم السياسي ليحمل هذا الإطار إلى المجال العام.
وقد كان المؤتمر الأول معنيًا بمهمتين أساسيتين:
إقرار الميثاق الوطني بصيغته النهائية، وتحديد أسلوب العمل السياسي لتطبيق مبادئه في المرحلة التالية.
وهذا يوضح أن فكرة المؤتمر لم تكن مجرد إنشاء هيكل حزبي، بل محاولة الانتقال من المبادئ العامة إلى تنظيم سياسي قادر على ترجمتها في الدولة والمجتمع.
لماذا كان "الميثاق" مهمًا؟
لأن الميثاق الوطني حاول الإجابة عن سؤال بالغ الصعوبة: كيف يمكن بناء مشروع وطني يستوعب مجتمعًا متنوعًا، ويضع الدولة فوق الانقسامات، ويمنح العمل السياسي إطارًا يمنع تحوله إلى صراع مفتوح؟
وقد تناول الميثاق قضايا وطنية وسياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، وربط بين الحفاظ على مكتسبات الثورة والجمهورية، وتعزيز الوحدة الوطنية، والحريات العامة والفردية، والشورى والديمقراطية، والعدالة والمساواة، وبناء مؤسسات الدولة.
وهذه ليست قضايا تنتمي إلى زمنها فقط.
فبعد أكثر من أربعة عقود، ما زالت الأسئلة نفسها حاضرة بصورة أكثر قسوة:
كيف تُبنى دولة لا تُختزل في جماعة؟
كيف تصبح المواطنة أقوى من الانتماءات الضيقة؟
كيف يحكم القانون الجميع دون استثناء؟
كيف تصبح الديمقراطية وسيلة لبناء الاستقرار لا بوابة لصراع دائم؟
وكيف يمكن لليمن أن يستعيد فكرة الدولة الجامعة؟
لهذا، فإن الميثاق الوطني لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره وثيقة تاريخية محفوظة في الأرشيف، وإنما باعتباره مادة قابلة للنقد والمراجعة والمقارنة بين ما كُتب وما تحقق.
المؤتمر الشعبي العام.. من تنظيم سياسي إلى ظاهرة وطنية
في بداياته، اتخذ المؤتمر الشعبي العام شكلًا مختلفًا عن الأحزاب التقليدية، إذ سعى إلى استيعاب ممثلين عن شرائح وقوى واتجاهات اجتماعية وسياسية متعددة ضمن إطار فكري عام يجسده الميثاق الوطني.
وتشير وثائق تاريخ المؤتمر إلى أن المؤتمر العام الأول شهد مشاركة نحو ألف عضو، بينهم ست نساء، وأن المشاركين لم يكتفوا بإقرار الميثاق، بل بحثوا كيفية تحويله من إطار نظري إلى ممارسة سياسية، ثم اتجهوا إلى بناء الهياكل التنظيمية والقواعد التي تجعل من المؤتمر أداة للعمل السياسي.
ومن هنا بدأ التحول من الميثاق بوصفه فكرة إلى المؤتمر بوصفه أداة سياسية.
وكان ذلك التحول يحمل في داخله طموحًا واضحًا: توحيد مساحة العمل الوطني، وتعزيز المشاركة السياسية، وربط التنظيم بالمجتمع والدولة، وتجاوز حالة التشرذم التي كانت تعيق بناء تجربة سياسية مستقرة.
وهذا يفسر جانبًا من قدرة المؤتمر على الانتشار الواسع داخل المجتمع اليمني، وعلى أن يصبح لاعبًا رئيسيًا في مراحل لاحقة من الحياة السياسية اليمنية.
من الجمهورية إلى الوحدة.. المؤتمر في قلب التحولات الكبرى
لا يمكن كتابة تاريخ المؤتمر الشعبي العام بمعزل عن تاريخ اليمن خلال العقود الأربعة الماضية.
فالتنظيم الذي تأسس عام 1982 في الجمهورية العربية اليمنية، وجد نفسه لاحقًا في قلب واحدة من أهم التحولات الجيوسياسية في المنطقة: قيام الجمهورية اليمنية في 22 أيار (مايو) 1990.
وكانت الوحدة اليمنية نقطة تحول هائلة في تاريخ الدولة والمجتمع والحياة السياسية، كما مثلت اختبارًا جديدًا لقدرة القوى السياسية على الانتقال من منطق الشطرين إلى منطق الدولة الواحدة.
ومع قيام التعددية السياسية، انتقل المؤتمر من صيغة سياسية ذات طبيعة مختلفة إلى حزب سياسي ينافس داخل بيئة حزبية وتعددية أكثر وضوحًا.
وهنا بدأ فصل جديد: لم يعد التحدي هو بناء إطار وطني واسع فقط، بل إدارة التنافس السياسي، وتداول السلطة، والعلاقة مع المعارضة، وبناء المؤسسات، وتحقيق التنمية، وحماية الوحدة والنظام الجمهوري.
ومن هذه الزاوية، فإن تجربة المؤتمر لا يمكن اختزالها في صورة واحدة، فهي تجربة حملت إنجازات وإخفاقات، ونقاط قوة ونقاط ضعف، ونجاحات سياسية وتنظيمية، كما حملت في مراحلها المختلفة أزمات وصراعات ومسؤوليات تاريخية تستحق القراءة النقدية.
44 عامًا.. ليست شهادة براءة ولا لائحة اتهام
وهنا يجب أن تكون القراءة أكثر نضجًا.
فالاحتفاء بذكرى تأسيس المؤتمر لا يعني أن التاريخ يُكتب بمنطق التقديس، كما أن النقد السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة تلغي كل ما سبق.
التاريخ الوطني لا يُقرأ بالأبيض والأسود.
والمؤتمر الشعبي العام، مثل أي تجربة سياسية كبيرة، يحتاج إلى قراءة مسؤولة تضع الإنجازات في سياقها، والإخفاقات في سياقها، والظروف الإقليمية والدولية والداخلية التي صنعت قراراته وتحولاته.
إن الاحتفال الحقيقي بتاريخ أي تنظيم سياسي لا يكون بتكرار العبارات نفسها، وإنما بامتلاك الشجاعة لطرح الأسئلة الصعبة:
أين أصاب المؤتمر؟
أين أخطأ؟
ما الذي ينبغي الحفاظ عليه؟
ما الذي ينبغي تجاوزه؟
وما الذي يجب أن يتغير جذريًا إذا كان المطلوب استعادة دوره الوطني؟
هذه الأسئلة ليست ضد المؤتمر، بل هي الطريق الوحيد أمام أي تجربة سياسية تريد أن تعيش للمستقبل لا أن تبقى أسيرة الماضي.
بعد الانقسام.. يصبح الميثاق أكثر أهمية
ربما تكون المفارقة الأكبر أن اليمن اليوم يحتاج إلى بعض المعاني التي تحدث عنها الميثاق الوطني أكثر مما احتاج إليها اليمن في أي وقت سابق.
فاليمن يعيش منذ سنوات حالة عميقة من الانقسام السياسي والجغرافي والاجتماعي، وتراجعت مؤسسات الدولة أمام تعدد مراكز القوة، وتداخلت الملفات الداخلية مع الصراعات الإقليمية والدولية.
وفي مثل هذه البيئة، تصبح فكرة الدولة الوطنية الجامعة ضرورة وليست شعارًا.
ويصبح الحديث عن الجمهورية والوحدة والمواطنة المتساوية وسيادة القانون والمؤسسات والحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية حديثًا عن شروط البقاء، لا عن ترف سياسي.
لكن استعادة هذه المفاهيم لا يمكن أن تتم بالشعارات وحدها.
فالدولة لا تُستعاد بالحنين إليها، وإنما بإعادة بناء مؤسساتها.
والوحدة لا تُحمى بالخطابات وحدها، وإنما بالعدالة والشراكة والمواطنة.
والديمقراطية لا تعيش بالانتخابات فقط، وإنما بثقافة قبول الآخر.
والحزب لا يستعيد دوره بمجرد استعادة اسمه، وإنما باستعادة ثقة الناس.
المعركة الحقيقية للمؤتمر: المستقبل
بعد 44 عامًا، قد يكون السؤال الأكثر ذكاءً ليس: ماذا فعل المؤتمر خلال 44 عامًا؟
بل: ماذا يستطيع أن يفعل خلال السنوات العشر القادمة؟
فهذه هي النقطة التي تفصل بين حزب يعيش على إرثه وحزب يحوّل إرثه إلى مشروع جديد.
إذا أراد المؤتمر الشعبي العام استعادة دوره الوطني، فإن أمامه مجموعة من الاستحقاقات الكبرى:
أولها استعادة الوحدة التنظيمية على قاعدة سياسية واضحة، بعيدًا عن الانقسامات التي أضعفت قدرته على التأثير.
وثانيها إعادة بناء العلاقة مع الأجيال الجديدة، فالشباب الذين ولدوا بعد تأسيس المؤتمر بعقود لا تربطهم بالضرورة الذاكرة نفسها التي تربط الأجيال الأولى بالتنظيم.
وثالثها تطوير الخطاب السياسي بحيث لا يبقى أسير مفردات الماضي، بل يخاطب أسئلة الاقتصاد والتكنولوجيا والتعليم والبطالة والإدارة الحديثة والحوكمة واللامركزية وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة.
ورابعها تحويل الميثاق الوطني من مرجعية رمزية إلى مادة سياسية قابلة للمراجعة والتطوير.
وخامسها إعادة الاعتبار للمؤسسات، لأن أي مشروع سياسي يريد استعادة الدولة لا يستطيع أن يفعل ذلك بعقلية الشخص أو الجماعة، وإنما بعقلية المؤسسة.
وسادسها فتح المجال أمام الكفاءات والنساء والشباب للمشاركة الحقيقية في صناعة القرار، لا مجرد الحضور الشكلي.
الميثاق الوطني بوصفه عقدًا سياسيًا
إذا أردنا أن نقرأ الميثاق الوطني بعين 2026، فإن أهم ما يمكن استخلاصه منه ليس الكلمات القديمة، وإنما الفكرة الكبرى الكامنة وراءها:
أن اليمن بحاجة إلى عقد وطني يتسع للجميع.
وهذا العقد لا يمكن أن يكون نسخة حرفية من وثيقة عمرها أكثر من أربعة عقود، فالزمن تغير، والمجتمع تغير، والاقتصاد تغير، والتكنولوجيا غيرت العالم، والتهديدات التي تواجه الدولة تغيرت.
لكن المبادئ الكبرى التي تقوم عليها الدولة الحديثة لا تفقد قيمتها بتغير الزمن: القانون، المؤسسات، المشاركة، العدالة، المواطنة، الحريات، المسؤولية، السيادة، والتنمية.
وهنا يمكن أن تتحول ذكرى الميثاق الوطني من مجرد استعادة للماضي إلى فرصة لإعادة إنتاج الفكرة الوطنية في صورة حديثة.
من "الميثاق" إلى "المشروع"
ربما يكون اليمن اليوم بحاجة إلى الانتقال من سؤال: ما الذي كان عليه المؤتمر؟ إلى سؤال: ما المشروع الذي يستطيع أن يقدمه لليمن؟
المشروع المطلوب ليس مشروع حزب ضد حزب.
ولا مشروع منطقة ضد منطقة.
ولا مشروع جماعة ضد جماعة.
بل مشروع دولة ضد الفوضى، ومؤسسات ضد الشخصنة، وقانون ضد القوة المنفلتة، ومواطنة ضد التمييز، وتنمية ضد الفقر، وحوار ضد الحرب.
وفي هذا السياق، يمكن للمؤتمر الشعبي العام أن يستعيد إحدى أهم الأفكار التي صاحبت ولادته: أن السياسة ينبغي أن تكون وسيلة لتجميع اليمنيين حول مصالحهم الوطنية الكبرى، لا أداة لإدارة خلافاتهم إلى ما لا نهاية.
ذكرى التأسيس.. وذكرى المسؤولية
أربعة وأربعون عامًا ليست رقمًا صغيرًا في عمر الدول، فما بالك بعمر حزب سياسي.
إنها أربعة عقود ونيف من التحولات: جيل كامل ولد بعد تأسيس المؤتمر، وجيل آخر شهد قيام الوحدة، وجيل ثالث عاش التعددية، ثم جاء جيل الحرب والانقسام، واليوم يقف اليمن أمام جيل جديد يحمل هاتفًا ذكيًا ويرى العالم كله أمامه، لكنه قد لا يرى دولته بالصلابة التي ينبغي أن تكون عليها.
وهذا الجيل الأخير هو التحدي الحقيقي.
فإذا كان المؤتمر يريد أن يكون جزءًا من مستقبل اليمن، فعليه أن يخاطب هذا الجيل بلغته، ويقدم له مشروعًا سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا مقنعًا، لا أن يكتفي بتقديم تاريخ طويل.
فالتاريخ يمنح الشرعية الرمزية، لكنه لا يمنح المستقبل تلقائيًا.
المستقبل يحتاج إلى فكرة، ومؤسسة، وقيادة، وكفاءة، وشجاعة.
يوم الميثاق الوطني.. يوم الفكرة الجامعة
لهذا، فإن 24 آب (أغسطس) لا ينبغي أن يكون مجرد ذكرى لتأسيس تنظيم سياسي.
إنه يوم يمكن أن يستعيد فيه اليمنيون سؤالًا أكبر من المؤتمر نفسه:
هل ما زلنا قادرين على الاتفاق على فكرة وطن؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن الميثاق الوطني يمكن أن يكون مدخلًا لمراجعة وطنية شاملة، لا وثيقة حزبية مغلقة.
وإذا كان المؤتمر الشعبي العام يريد أن يستعيد مكانته، فإن الطريق ليس في العودة إلى الماضي كما كان، وإنما في استخلاص أفضل ما فيه وبناء ما يحتاجه المستقبل.
إن أعظم وفاء للرواد الذين شاركوا في صياغة تلك المرحلة ليس تكرار أسمائهم في المناسبات، وإنما حماية الفكرة التي سعوا من أجلها: أن يكون اليمن وطنًا يتسع لأبنائه، ودولة تحكمها المؤسسات، ومجتمعًا لا تتحول اختلافاته إلى حروب.
الخلاصة:
44 عامًا.. والمقياس هو اليمن
في ذكرى تأسيس المؤتمر الشعبي العام الرابعة والأربعين، يمكن أن تختلف القراءات السياسية، ويمكن أن تتعدد المواقف من تاريخ الحزب، ويمكن أن يختلف اليمنيون في تقييم هذه المرحلة أو تلك.
لكن ما ينبغي ألا يختلفوا عليه هو أن اليمن بحاجة إلى الخروج من دائرة الانقسام.
ومن هنا، فإن قيمة يوم الميثاق الوطني لا تكمن فقط في استعادة وثيقة ولدت في آب (أغسطس) 1982، وإنما في تحويل معناها إلى سؤال حي في حاضر اليمن:
كيف نبني دولة يمنية حديثة، جمهورية، موحدة، عادلة، مؤسسية، يسود فيها القانون، ويشعر فيها المواطن أن الدولة ملك له وليست ملكًا عليه؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي.
وإذا كان المؤتمر الشعبي العام قد بدأ قبل 44 عامًا بفكرة الميثاق الوطني، فإن التحدي اليوم هو أن ينتقل من ذاكرة الميثاق إلى مستقبل المشروع، من الاحتفاء بالتاريخ إلى صناعة التاريخ، ومن الدفاع عن الإرث إلى تجديده، ومن استعادة المكانة إلى استعادة الثقة.
فالأحزاب الكبرى لا تُقاس فقط بعدد سنوات بقائها، وإنما بقدرتها على الإجابة عن أسئلة عصرها.
واليمن اليوم لا يحتاج مزيدًا من الماضي.
اليمن يحتاج مستقبلًا.
والمؤتمر، إن أراد أن يكون جزءًا من هذا المستقبل، فإن عليه أن يجعل من ذكرى تأسيسه موعدًا سنويًا لمراجعة الذات، وتجديد الرؤية، وتوسيع المشاركة، وترميم ما تصدع، والعودة إلى السياسة باعتبارها فن الممكن، لا إدارة المستحيل.
وفي يوم الميثاق الوطني، تبقى الرسالة الأهم:
الوطن أكبر من الحزب، والدولة أكبر من التنظيم، واليمن أكبر من الجميع.
وتلك، في نهاية المطاف، هي الفكرة التي تستحق أن تبقى بعد أربعة وأربعين عامًا من التأسيس، وأن تتحول من ذكرى في التقويم إلى مشروع في الواقع.

