: آخر تحديث

حجارة الوادي ودفء الحبر

3
3
2

 

منذ سنوات والجميع يكرر على مسامعنا الجملة نفسها: الصحافة الورقية تلفظ أنفاسها الأخيرة، والشاشات الذكية ابتلعت كل شيء. لكن، هل تموت الصحافة حقًا لمجرد أن وسيلة القراءة تغيّرت؟ الحقيقة أننا نخلط كثيرًا بين سرعة تدفق المعلومة وبين قيمة المعنى وعمقه.

تذكّروا معي كم مرة قيل إن التلفزيون سيهدم صالات السينما ويتركها خاوية، ثم قيل إن الهواتف المحمولة ومنصات المشاهدة المنزلية ستلغي التلفاز والسينما معًا، ولم يحدث شيء من هذا. ظلت دار السينما مكانًا ساحرًا لا بديل عنه، لأن الدخول في عتمة الصالة طقس إنساني خاص، وظل التلفاز يجمعنا في الصالون، وكذلك الورق تمامًا؛ لا يمكن لشاشة زجاجية باردة أن تلغي دفء الصفحة ورائحة الحبر وحميمية فنجان القهوة الصباحي مع جريدة تُفتح على اتساعها.

تصفح الجريدة ليس عادة قديمة نتمسك بها من باب الحنين، بل هو لحظة تأمل وانفصال حقيقي عن صخب الإشعارات والتطبيقات التي تسرق تركيزنا طوال اليوم. هل يستطيع أحدنا بصدق أن يتخيل «الشرق الأوسط» بلا ورقها الأخضر الشهير الذي كبرت معه أجيال من القراء والسياسيين؟ أو يتصور مؤسسات عريقة مثل «ذا تايمز» أو «نيويورك تايمز» و«الغارديان» و«واشنطن بوست» بلا نسخها المطبوعة التي صنعت هيبتها على مر العقود؟ هذه المطبوعات ليست مجرد ورق يُباع ويُشترى، بل هي أرشيف الإنسانية الأول، ووثيقة حية ربطت بين الناس وأوطانهم منذ أيام كان قراء الصحف يقفون في الساحات ليقرأوا الأخبار للجمهور.

السرعة التي تتباهى بها المواقع اليوم تحولت في كثير من الأحيان إلى فخ؛ لهاث وراء الإثارة، وسباق لا ينتهي نحو نقرات عابرة تفتقد أبسط معايير التدقيق والمهنية. مع أن هناك مواقع لصحف ومنصات رصينة واعية لها ثقلها الإخباري والثقافي في الفضاء العربي.

الكلمة المطبوعة على الورق هي التزام ومسؤولية؛ لا يمكن مسحها أو تعديلها بضغطة زر إذا أخطأت، ولهذا تظل هي المرجع الموثوق والوثيقة التي يعود إليها التاريخ. ما يحدث اليوم ليس نهاية للصحافة الورقية، بل هو غربلة ضرورية ومستحقة. الصحف التي كانت تعيش على الهامش وبلا محتوى حقيقي ستختفي، وهذا أمر طبيعي، أما الصحافة الرصينة فستبقى كتحفة فكرية يطلبها أصحاب الرأي وصنّاع القرار ومن يبحث عن المعنى الصادق خلف ضجيج الأخبار السريعة.

في النهاية، تهدأ كل العواصف الرقمية المؤقتة، وكما تعلمنا الحياة دائمًا، لا يصح إلا الصحيح، ولا يبقى في الوادي إلا حجارته الأصيلة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.