: آخر تحديث
محمد بن سلمان في باريس:

زيارة دولة تتجاوز حدود الزيارة

1
2
1

ليست كل الزيارات السياسية سواء.

ولا تقاس أهميتها بعدد مراسم الاستقبال، ولا بما يحيط بها من بروتوكول، بقدر ما تقاس بتوقيتها ومضمونها وما يمكن أن تتركه بعد مغادرة الضيف.

ومن هنا تبدو زيارة الدولة التي يقوم بها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، إلى الجمهورية الفرنسية، مختلفة في توقيتها ودلالاتها:

فهي تأتي والعالم، وخصوصًا منطقتنا، يقف أمام مشهد بالغ التعقيد، تتداخل فيه الحروب بالأزمات السياسية، والطاقة بالملاحة، والأمن بالاقتصاد، وتزداد معه الحاجة إلى أصوات قادرة على إعادة السياسة إلى طاولة الحلول.

وقد حملت مراسم الاستقبال الرسمية لسموه في باريس رسالة تتجاوز الشكل البروتوكولي:

فمن الاستقبال الرسمي، إلى لقاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه، وصولًا إلى المباحثات والبيان المشترك، بدا واضحًا أن باريس تنظر إلى الرياض اليوم بوصفها شريكًا أساسيًا في معادلات تتجاوز حدود العلاقات الثنائية.

وهذا ليس وليد زيارة عابرة.

فالعلاقات السعودية-الفرنسية ممتدة وتراكمت عبر عقود من التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي والدفاعي، غير أن المتغير الأهم اليوم هو المكانة التي أصبحت تحتلها المملكة في المشهد الدولي، في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وما يقوده سمو ولي العهد من حراك سياسي واقتصادي جعل الرياض حاضرة في الملفات الكبرى، لا متلقية لنتائجها فحسب.

ولعل القراءة الأهم للزيارة تبدأ من هنا.

فالأمير محمد بن سلمان يصل إلى باريس وفي رصيده السياسي رؤية سعودية تؤكد أن قوة الدول لا تتعارض مع السعي إلى السلام، وأن حماية المصالح لا تعني إشعال الأزمات، وأن الحوار يظل الطريق الأقل كلفة على الشعوب.

وقد شهدنا خلال السنوات الماضية كيف تحركت الدبلوماسية السعودية في أكثر من اتجاه، وحافظت المملكة على قنواتها مع الشرق والغرب.

وتمسكت في الوقت ذاته بمواقفها وثوابتها، وفي مقدمتها أمن المملكة، واستقرار المنطقة، والقضية الفلسطينية، وضرورة إيجاد حل عادل يحقق للشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة.

وهنا تلتقي الرياض وباريس عند مساحة سياسية مهمة:

إذ سبق للبلدين أن عملا معًا في الدفع نحو حل الدولتين والسلام الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وهو تعاون منح العلاقة السعودية الفرنسية بعدًا يتجاوز المصالح الاقتصادية إلى محاولة التأثير في واحد من أعقد ملفات الشرق الأوسط.

وفي زمن تتسع فيه دوائر التوتر، تصبح الحاجة أكبر إلى مثل هذا النوع من الشراكات.

فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى حرب جديدة، ولا إلى مزيد من الصواريخ والطائرات المسيّرة وتهديد الممرات البحرية، بقدر حاجته إلى عقل سياسي يعيد الاعتبار للتفاوض، ويحفظ للدول سيادتها، وللشعوب أمنها وحقها في التنمية والحياة.

ولذلك فإن ما خرجت به زيارة باريس ينبغي ألا يُقرأ فقط من خلال الاتفاقيات والملفات الاقتصادية والاستثمارية ـ على أهميتها ـ بل من خلال ما يمكن أن تؤسس له سياسيًا في المرحلة المقبلة.

فرنسا دولة أوروبية كبرى وعضو دائم في مجلس الأمن.

والمملكة بثقلها العربي والإسلامي والاقتصادي وموقعها السياسي أصبحت شريكًا يصعب تجاوز حضوره عند البحث عن حلول لأزمات المنطقة.

وفي الجانب الآخر، هناك رؤية 2030 وما فتحته من مجالات واسعة للتعاون والاستثمار والتقنية والثقافة والسياحة والطاقة والصناعات المتقدمة، وهي ملفات تجعل العلاقة بين البلدين شراكة مصالح ومستقبل، وليست مجرد علاقات دبلوماسية تقليدية.

لكنني أعود إلى السياسة:

لأنها في هذه اللحظة هي الأشد إلحاحًا.

فالعالم جرّب الحروب طويلًا، ودفع الأبرياء أثمانها، واستنزفت اقتصادات الدول والشعوب، وما زال السؤال معلقًا:

إلى متى تظل الحروب هي التي تفتح الأبواب، بينما تتأخر السياسة في إغلاقها؟

زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس قد لا تحمل عصًا سحرية لحل أزمات عالم متشابك، ولا ينبغي تحميل أي زيارة أكثر مما تحتمل، لكنها تؤكد أن هناك مساحة ما زالت مفتوحة للعقل والحوار والعمل السياسي.

وهذه بحد ذاتها رسالة مهمة.

فحين تلتقي الرياض وباريس اليوم، فإنهما لا تناقشان حاضر العلاقات بين بلدين فقط، بل تبحثان ـ ضمن عالم مضطرب ـ عن مساحة أوسع للاستقرار والتعاون وصناعة المستقبل.

ولعل أجمل ما يمكن أن نتمناه بعد هذه الزيارة أن تتحول كلمات البيانات إلى خطوات، والخطوات إلى نتائج، وأن يكون صوت الحكمة أعلى من صوت المدافع:

فالشعوب لم تعد بحاجة إلى من يخبرها كيف تبدأ الحروب، بل إلى من يمتلك الشجاعة والحكمة ليقول لها:

هنا يبدأ طريق السلام.

حفظ الله وطننا وقيادته، وكتب للعالم أمنًا وسلامًا، وللشعوب حياة لا تبددها الحروب ولا تسرق مستقبلها الصراعات.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.