أرست زيارة الملك فيصل بن عبدالعزيز، رحمه الله، لفرنسا في عام 1967 ولقاؤه بالرئيس الفرنسي الراحل شارل ديغول قواعد العلاقات السعودية الفرنسية، التي شهدت تطورًا مستمرًا بفضل حرص قادة البلدين على دعمها وتعزيزها لتشمل عدة ملفات مهمة وقطاعات تكرّس التقارب بين البلدين.
المتابعون لمسار العلاقات السعودية الفرنسية يتوقفون عند أول زيارة في 22 يناير 1977، عندما وصل الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان إلى الرياض في زيارة رسمية تاريخية، كأول رئيس فرنسي يزور السعودية. وقد لفت الانتباه وصوله على متن طائرة الكونكورد الشهيرة الأسرع من الصوت، وكان في استقباله الملك خالد بن عبدالعزيز، رحمه الله، في مطار الرياض.
لم ترقَ العلاقات السعودية الفرنسية لتكون بحجم التقارب الجيوسياسي كما هو الحال بين السعودية وبريطانيا وأميركا. استمرّت القراءة السياسية الفرنسية لخارطة العالم العربي، وخاصة الخليج العربي، خاضعة لنماذج سايكس بيكو، بتصنيف جغرافي يضع الخليج في دائرة النفوذ الأنجلوسكسوني. وانشغلت فرنسا بترتيب انسحابها المتدرج من الهلال الخصيب وشمال أفريقيا، ودعمت السعودية بكل ما تملكه من قوة وتأثير تحرير الأراضي العربية في الشام وشمال أفريقيا.
كل هذا الإرث الاستعماري الثقيل لم يثنِ الإدارة السعودية عن مبادرات متعددة لبناء علاقات متوازنة مع فرنسا. واستمرت بالتنسيق مع الإدارات السياسية الفرنسية المتعاقبة، رغم مواقف اليسار الاشتراكي السلبية من الخيارات الاستراتيجية السعودية.
بعد أن رحل الرئيس ميتران وانتُخب الرئيس شيراك عام 1995، قام بأول زيارة خارج فرنسا إلى جدة لمقابلة الملك فهد وولي العهد حينئذ الملك عبدالله في الرياض، رحمهما الله. واقعية الرئيس شيراك دفعته للقول إن السعودية أهم دولة قادرة على التأثير ومعالجة القضايا المعقدة في الشرق الأوسط.
لم تكن السعودية في تلك المرحلة مستعدة لبناء شراكات اقتصادية وصناعية وثقافية مع فرنسا.
آليات اتخاذ القرار، والقوالب الإدارية، والتكوين المهني، والنخب التجارية، وثقافة التفوق والنجاح، صاغتها العلاقات المعمقة بين السعودية والغرب الذي تقوده أميركا. عمق العلاقات الصناعية والتجارية بين السعودية وأميركا، خاصة بعد التواجد الطويل للشركات النفطية الأميركية الكبرى، ساهم في صياغة نماذج جديدة في التفكير والسلوك.
وبرغم انتماء السعودي الراسخ إلى قيمه الدينية والثقافية والاجتماعية، فإن تأثير التواجد الأميركي المباشر في أهم شريان للصناعة السعودية، والذي جلب معه ممارسات وسلوكيات وطرق تفكير جديدة، كان ملموسًا على الواقع.
كل ما ورد أعلاه يشي بأن المكان، وأقصد هنا الشريط الشرقي للخليج العربي، ليس شاغرًا بسبب وجود الشريك الأميركي بكفاءته الإدارية وبراغماتيته في التعامل مع صانعي القرار في المنطقة.
إذن، ليس للفرنسي موطئ قدم في هذا الشريط، وإذا أراد أن يبيع سلعة أو خدمة، فعليه أن يتشاور أو ينسق مع لندن أو واشنطن.
التأثير الحضاري والثقافي الفرنسي في الجزيرة العربية ضئيل ولا يستحق العناء، ولم تستثمر الدولة الاستعمارية الفرنسية في حملات تستهدف المنطقة، فقد كانت منشغلة بمستعمراتها في آسيا وأميركا وأفريقيا، وكانت تجني الكثير من الأرباح من تلك المستعمرات.
تحوّل الأنجلوساكسوني من شراكة رابح رابح بينه وبين دول الخليج إلى شريك في مشروع الهيمنة الغربية على العالم من خلال مصادر الطاقة واستخدام القوة العسكرية لتحقيق هذه الأهداف، ألقى بظلال غير إيجابية على تاريخ وتجارب وخبرات صنعها التقارب بين شعوب المنطقة والعبقرية الصناعية الأنجلوساكسونية المتفوقة في ذلك الزمن.
الصياغة أعلاه تقودنا إلى الأوضاع في هذا الشريط الممتد من جنوب العراق إلى خليج عُمان، والذي تعرض بشكل غير مسبوق لاعتداءات متعددة من الجار على شرق الخليج، إيران. لم يندلع الصراع المسلح بين دول الخليج وإيران، ولم يكن متوقعًا حدوثه، غير أن الحسابات السياسية في واشنطن ولندن ومناطق أخرى رأت بأن الحرب على إيران هي الحل العاجل لاستمرار الهيمنة الغربية بقيادة أميركا على العالم.
لم تكن حسابات الصقور في واشنطن دقيقة، ولم تتشاور مع شركاء تاريخيين منخرطين في علاقات صناعية وتجارية واستراتيجية مع كافة الإدارات السياسية الأميركية، واتخذت قرارات عسكرية خطيرة أدت إلى ما نحن عليه من تداعيات تتعلق بالخدمات اللوجستية للطاقة بعد إغلاق مضيق هرمز، وانتهاك أجواء ومياه وأراضي دول خليجية ليس لها ناقة ولا جمل في هذه المواجهات.
الأمن هو الشرط الأول لحماية الدولة.
زيارة ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا تعبر عن فهم عميق ومفكر فيه لمآلات التصادم العسكري بين القوة العظمى على هذا الكوكب وإيران.
لا تريد السعودية، في موقعها الراسخ كضامن لاستقرار سوق النفط العالمي، وكقوة عسكرية واقتصادية، وكفاعل مؤثر في العالم والمنطقة، أن تكون مع حلفائها في الخليج ضمن الأضرار الجانبية في صراعات لم تكن طرفًا فيها.
فرنسا عضو في مجلس الأمن وقوة نووية، ولها دور كبير في الاتحاد الأوروبي. تعيد ترتيب حساباتها مع دولة محورية مؤثرة، ولديها مشروع حيوي تنموي يُعنى بالإنسان، سماه العراب الأمير محمد بن سلمان رؤية 2030. ومن يريد أن يعرف ماذا تريد السعودية في هذا العالم المضطرب فليقرأ رؤية 2030.
عندما قلنا أعلاه إن السعودية تمتلك تاريخًا يزخر بالشراكات، وإنها حافظت على نهجها وقيمها وثقافتها، وقاومت كل محاولات تشويه الهوية الوطنية، وحاربت كل الفصائل محليًا وإقليميًا للحفاظ على الأمن الاجتماعي والاستقرار السياسي داخل وخارج السعودية، كنا نشير إلى أن هذه الزيارة الميمونة إلى فرنسا واللقاء مع الرئيس الفرنسي ماكرون تدخل في حيّز البرنامج السياسي السعودي المعلن، والذي يهدف إلى تحقيق السلام والاستقرار والازدهار في المنطقة والعالم. إعلان نيويورك بالشراكة مع فرنسا يجسد هذه الرؤية التاريخية للسعودية، ويوضح الموقف السعودي الثابت المتعلق برفض الاعتداءات على الدول والممتلكات، وبرفض التحكم الجائر في الممرات البحرية الدولية.
كما أن هناك أهمية كبيرة للقوة الفرنسية الناعمة وموقعها على خارطة الثقافة والسياحة والتراث والترفيه، وعلاقاتها العملية مع الأجهزة والكيانات الثقافية والتراثية في السعودية، والتي تجسدت بتشكيل مجلس سعودي فرنسي برئاسة سمو وزير الثقافة ووزير الدفاع الفرنسي الأسبق جان إيف لودريان.
الريفييرا السعودية، التي تبدأ شمالًا من مدينة حقل وتنتهي جنوبًا في جازان مرورًا بينبع وجدة، تمثل منطقة بكر تنفتح على العالم من خلال مشروعات استثمارية سياحية عملاقة على شواطئ وجزر تتحول تدريجيًا إلى محطات سياحية دولية.
ويدخل في مبادئ رؤية 2030 تطوير البنية الأساسية التقنية، ليس فقط بالاستعانة بالبرمجيات المستوردة، بل أيضًا بتوطينها وابتكار حلول محلية عن طريق تمكين السعوديين بالتدريب والتفاعل مع المعطيات التكنولوجية المتقدمة. تحدث الرئيس ماكرون خلال السنوات التسع الماضية عن رغبته في تحويل فرنسا إلى مركز دولي للبرمجيات والذكاء الاصطناعي، ويبدو، حسب تقارير جادة، أنه نجح في تحويل فرنسا إلى وجهة مهمة للمبتكرين والمبرمجين ومن لهم اهتمام بهذا القطاع.
تقاطع الاهتمامات والمصالح يقود إلى تعاون فني سعودي فرنسي في مجالات الاتصالات والأقمار الصناعية، وتكنولوجيا المعلومات، والنانو، والذكاء الاصطناعي.
في المقال القادم سنتحدث عن القوة الصلبة والطاقة وأمور أخرى.

