الدنيا مسرح عريض، تتنوع أداءاته وشخوصه وحكاياته.
كل يؤدي دوره؛ طبيب يسهر، بوحي من ضميره، على مداواة جراح أناس لا يعرفهم، وآخر يسهر، بأمر من زعيمه مهندس السوء، على تصنيع متفجرات لإبادة أناس لا يعرفهم. وآخرون، يهدون الأوطان الحبيبة جذوة الروح، وفتانون يروجون الكره بين الناس ويشترون بآيات الله ثمناً قليلاً.
في المسرح، نلتقي أشخاصاً يتركون في الوجدان أثراً، وضوء معرفة، وفي القلب بهاء، وتلك هبة الله، لا يلقاها إلا ذو الحظ العظيم، حينما قسم الله، في ملكوته الأعلى، العطايا.
وأتذكر حكاية الهبة هذه، حينما أقابل أو أشاهد بعضاً من الأصدقاء، منهم زميلنا حسن المصطفى الصحفي والمحلل الفذ. وقد خصه الله، بهبات عديدة، وأجزل له العطاء.
أولى مناقب حسن: القبول، وهي، لو نعلم، خلة من أغلى العطايا. فحينما أشاهده، تسرى في الوجدان جاذبية، أسلوب مبدع، ومعرفة واسعة وخلق كريم، والاعتدال، أي الموضوعية وترفع عن الصغائر. هذه المناقب جمعت لحسن، وقليل ما تجتمع لواحد من بني الأنس، في زماننا المشحون بالحروب من كل نوع، والشهوة العارمة للنميمة، وبروبغندا المزايدات.
وحسن المصطفى بهذا الثراء ليس ملكاً لنفسه ولا للقطيف، بل علامة وطنية، وملكية عامة مشاعة، مثل كثير من أبنائنا المبدعين، الذين يخوضون الحرب الشريفة، أي الدفاع عن الوطن بالمنطق والحجة بلا إسفاف أو تطاول أو استخفاف بالآخرين، ويترفعون عن بضائع الشتائم، التي تروج في مكائن دعاية الحزبيات الرخيصة.
ومن مناقب حسن أنه مخلص للقطيف.
والقطيف مدينة مضيئة، إذ تفوز يجائزتين؛ الأولى: عبقرية الجغرافيا وباسقات النخيل، منذ كانت درة ساحل «الخط»، حتى أصبحت نجم الشواطيء. والثانية: عقول القطيفيين ذات الثراء المبدع والصدق وهمة الإنجاز، وأحسب أني من خير الشهداء، إذ زاملت، في العمل أهل القطيف المهنيين الرائعين، وتعاملت مع الكثير الكثير منهم، ولن أزيد إلا ان أقول أن شهادتي لهم مجروحة. حتى وإن شاركت يوماً بمكيدة، نصرة لسيهات على القطيف!
وللمكيدة قصة طريفة، إذا ثارت، في أيام خلت، معركة بين فتى القطيف الإعلامي المبدع محمد رضا نصرالله، يشاكس فتى سيهات زميلانا الراحل المبدع الشاعر والصحفي حسن السبع. رحمه الله. أيهما أهم القطيف أم سيهات؟
وكنت قد زرت جنوب أفريقيا، وتصفحت دليل الهاتف الدولي في فندق بجوهانزبيرغ، قبل شيوع الانترنت، فوجدت في الدليل أربع مدن سعودية فقط؛ الرياض، أبها، الزلفي، وسيهات.
وعند عودتي قلت لحسن السبع، أن لدى «شهادة دولية» على أن سيهات أهم من القطيف. واخبرته حكاية الدليل، فأطلق رحمه الله، ضحكة مجلجلة معتادة.
ولا أزلت كلما تمر بي صورة حسن السبع أتذكر ضحكاته الطويلة، إذ كانت تبث في روحي المتعة والدفء رحمه الله وأسكنه جنات النعيم.
*وتر
يهتف الموج.. وأرصفة المرافيء،
لمدن الشاطيء..
سلام لنخيل الواحات.. وخمائل الرمش..

