ما الذي نخسره حين تحترق الغابات؟
حين تمر النار بالغابة، تختصر في ساعات ما احتاجت الطبيعة إلى عقود لبنائه. تحترق الأشجار، وتتراجع وظائفها البيئية، وينكشف سطح الأرض، وتبدأ سلسلة من الآثار قد تمتد سنوات.
ولعلنا ننطلق في فهم أضرار وتبعات حرائق الغابات في جبال السروات كمثال من حجم الخسائر المترتبة على الحرائق التي تطال أشجار العرعر، ولماذا يحتاج تعافي هذه الغابات إلى وقت طويل؟
يمكن فهم الخسارة في ثلاثة مستويات.
الأول هو الشجرة والزمن الذي استغرقه نموها. العرعر بطيء النمو، والشجرة التي تفقدها الغابة خلال ساعات قد تكون حصيلة عقود.
الثاني هو وظيفة الشجرة داخل بيئتها. فالعرعر يساعد على تثبيت تربة المنحدرات، ويلتقط رطوبة الضباب، ويوفر الظل والمأوى لعدد من الطيور والحشرات والكائنات الأخرى.
والثالث هو الغطاء النباتي المحيط، فالشجيرات والنباتات الأرضية تخفف أثر الأمطار وتحمي سطح التربة من الانجراف.
لهذا يمتد أثر الحريق من الشجرة إلى التربة، ومن التربة إلى الكائنات، ومن اللحظة التي تشتعل فيها النار إلى سنوات التعافي.
ماذا يبقى تحت الرماد؟
تنطفئ النار في يوم، وقد تبقى آثارها في التربة مواسم. وهنا يتحدد جانب كبير من مستقبل الغابة، فالتعافي يبدأ من الأرض التي ستنمو فيها الحياة من جديد.
ماذا يحدث للتربة وبنك البذور بعد الحريق؟ وكيف يحدد ذلك قدرة الغابة على التعافي؟
أول ما يتغير هو سطح التربة. الغطاء المتراكم من الأوراق والأغصان كان يحميها من المطر ويحد من انجرافها. بعد احتراقه تصبح التربة أكثر انكشافًا، وقد يحمل أول موسم مطري جزءًا منها بعيدًا.
ويتأثر بنك البذور وفق شدة الحرارة وعمق وصولها، وتكون البذور القريبة من السطح أكثر عرضة للتضرر. كما تحتاج الكائنات الدقيقة المسؤولة عن تحليل المادة العضوية وتدوير المغذيات إلى وقت لاستعادة نشاطها.
وتظهر مشكلة أخرى حين تصبح الأرض المكشوفة فرصة للأنواع الغازية سريعة النمو، فتنافس النباتات المحلية على المساحة والموارد.
لهذا يبدأ تقييم الغابة بعد الحريق من سؤال حاسم:
ماذا بقي في التربة؟
فالإجابة عنه تكشف قدرتها على التجدد، وتحدد مقدار التدخل الذي تحتاجه.
متى تتعافى الطبيعة وحدها؟
التدخل بعد الحريق يحتاج إلى تشخيص دقيق. بعض المواقع تستعيد غطاءها طبيعيًا إذا حُميت، وبعضها يحتاج إلى تأهيل نشط حتى تبدأ دورة التعافي.
ومن النماذج في المملكة مشروع إعادة تأهيل المواقع المتضررة في غابات متنزه الجرة بمنطقة عسير، الذي يمتد عامين ويشمل زراعة أكثر من 160 ألف شجرة وشجيرة محلية، من أبرزها الطلح والعرعر.
كيف نحدد متى نمنح الطبيعة فرصة للتجدد، ومتى يصبح التدخل ضروريًا؟
البداية دائمًا من قراءة الموقع.
إذا حافظت التربة على استقرارها، وبقي بنك البذور قادرًا على التجدد، وكانت ظروف الموقع مناسبة، تكون الأولوية لحمايته من الرعي والعبث ومنح التجدد الطبيعي فرصته.
أما المواقع التي فقدت جزءًا كبيرًا من تربتها أو تضررت قدرتها الطبيعية على التجدد، فتحتاج إلى تدخل مدروس.
ونجاح التأهيل يعتمد على أربعة عناصر: اختيار الأنواع المحلية الملائمة، متابعة الشتلات بعد زراعتها، حماية الموقع خلال سنوات التأسيس، ثم قياس النتائج.
والرقم الأهم هنا ليس عدد الشتلات يوم زراعتها، الرقم الأهم هو نسبة ما يستمر منها حيًا بعد سنوات.
من معالجة الأثر إلى منع الخسارة
تعمل المملكة على مبادرة لزراعة 60 مليون شجرة وتأهيل نحو 300 ألف هكتار حتى عام 2030. وهذه المستهدفات تضع استعادة الغطاء النباتي ضمن مسار طويل يجمع التأهيل والحماية والوقاية.
كيف يصبح المجتمع شريكًا فعليًا في هذا المسار، من زائر الغابة إلى الفرق التطوعية؟
المجتمع يمثل خطًا مهمًا في حماية الغابات.
فالفرق التطوعية المدربة تعرف المسالك والشعاب، وعندما تعمل ضمن تنسيق واضح مع الجهات المختصة تصبح أكثر قدرة على الاستجابة السريعة والمساندة الميدانية.
ويبدأ دور زائر الغابة من سلوكيات بسيطة ذات أثر كبير: إطفاء الفحم والنار بالكامل، تجنب إشعالها في الظروف الخطرة، وعدم ترك أي مصدر محتمل للاشتعال.
ثم يأتي البلاغ المبكر. ففي الحرائق، قيمة الدقيقة الأولى كبيرة، وكل تأخير يمنح النار مساحة إضافية ويضاعف صعوبة السيطرة عليها.
ولهذا تبدأ حماية الغابة قبل اشتعال النار، ويبدأ تأهيلها الحقيقي بمنع الحريق متى كان من الممكن منعه.

