في السعودية، لا تبدأ حكاية النخلة من التمر، وإنما من الإنسان نفسه. فمنذ أن عرف أهل هذه الأرض معنى الاستقرار في قلب الصحراء، كانت النخلة أكثر من شجرة، وكان الرطب أكثر من ثمرة، وكان التمر أكثر من غذاء. كانت لغة خفية تربط الإنسان بالمكان، وتربط الزمن بذكرياته.
أتذكر في طفولتي، حين كانت الدلم قرية صغيرة وادعة، كيف كان عمي يخصص في منزله أكثر من "إفريزر" لحفظ الرطب طوال السنة. وكانت عمتي، رحمها الله، ترتب العلب البلاستيكية للرطب بعناية وتكتب أسماء الأصناف على كل واحدة منها. يومها بدا الأمر اعتياديًا لطفل صغير، أما اليوم فأدرك أنه كان محاولة للاحتفاظ بالصيف نفسه، فالرطب ليس طعامًا فحسب، وإنما فصل كامل يمكن حفظه داخل علبة، بما يحمله من دفء الأيام ورائحة المزارع وأحاديث المجالس.
كنت أصعد مع ابن عمي إلى الطابق العلوي لإحضار بعض تلك العلب قبل وصول الضيوف. وفي كل علبة حكاية، وفي كل صنف جغرافيا كاملة من الأرض والناس والعادات. ففي الخرج، حيث تمتد مزارع النخيل على اتساع الأفق، كانت الأصناف تتجاور كما تتجاور طبائع البشر. لكل صنف ملامحه الخاصة، كما يحمل كل إنسان حكايته التي لا تشبه سواه. وبين عشرات الأنواع ظل نبوت سيف ونبوت سلطانة حاضرين في الذاكرة كما تحضر أسماء الأقارب والأصدقاء القدامى.
ثم جاء الزمن بما يحمله دائمًا من تغيير. فالأصناف التي كانت مرتبطة بأماكنها بدأت تسافر، وأصبحت الثمرة التي ولدت في واحة بعيدة تصل إلى موائد مدن لم تكن تعرفها. وصار بالإمكان تذوق رطب الخلاص خارج الأحساء، والسكري خارج القصيم، والحلوة خارج الجوف، والروثانة خارج المدينة المنورة. وكأن النخلة السعودية قررت أن تجمع أبناءها حول مائدة واحدة مهما تباعدت المسافات.
ولم تعد رحلة التمر تتوقف عند حدود المملكة. فليس مستغربًا اليوم أن تجد عبوات السكري والعجوة في متاجر أوروبا، أو أن يتمكن الإنسان السعودي من تذوق تمر وطنه وهو يحتسي قهوته في حديقة نيوجيرسي، أو يتأمل بحيرات سويسرا الهادئة، أو في مساء شتوي طويل في شقة فاخرة في هامبورغ. فبعض الأطعمة تشبع الجسد، أما التمر فيشبع الحنين.
ولأن الرطب ليس مجرد محصول، فقد ظل مرتبطًا بأعمق ما في الثقافة السعودية من قيم. فهو رفيق القهوة، وأول ما تمتد إليه اليد عند الإفطار في رمضان، وهدية تتبادلها الأسر بمحبة، وضيف دائم في المجالس. وحين يحل موسمه، تتجدد الأحاديث حول الأصناف والجودة والذكريات، وكأن المجتمع كله يحتفل بعودة صديق قديم.
ومع التحولات الاجتماعية والتنموية الكبرى التي شهدتها المملكة خلال العقود الماضية، تبدلت ملامح الحياة واتسعت المدن وتغيرت تفاصيل المعيشة، غير أن العلاقة بين الإنسان السعودي والنخلة بقيت حاضرة كما كانت. فما زالت التمرة تسبق القهوة إلى المجالس، وما زال الرطب ضيف الصيف المنتظر، وما زالت النخلة رمزًا يستحضر معاني الكرم والعطاء والانتماء.
ولهذا لم تغب النخلة عن الذاكرة السعودية مهما تغيرت الأزمنة. وبينما كانت البلاد تعيش تحولات متسارعة، ظل حضورها ثابتًا في التفاصيل الصغيرة التي لا ترصدها الأرقام، في فنجان قهوة يُقدَّم لضيف، وفي طبق تمر يوضع على مائدة إفطار، وفي علبة رطب يحتفظ بها أحدهم انتظارًا لفصل آخر.
وربما لهذا لا يرى السعودي في التمرة مجرد ثمرة، ولا في النخلة مجرد شجرة. فهو يرى فيهما شيئًا من سيرته الشخصية، شيئًا من طفولته، ومن ملامح المكان الذي نشأ فيه، ومن الحكايات التي تناقلتها الأجيال قبل أن تتحول إلى ذكريات.
وحين يعبر الرطب والتمر اليوم القارات ليصل إلى مدن بعيدة، فإنه لا يحمل معه طعم الأرض فحسب، وإنما يحمل شيئًا من روحها أيضًا. ولهذا يبقى حضوره مختلفًا، لأنه لا يذكّر الناس بما يأكلون، وإنما بما كانوا عليه، وبالمكان الذي بدأ منه كل شيء.


