أيُّ دمعة حزن يمكن أن تكفي، ونحن نستعيد، مع مرور الأيام، وجوه أولئك الذين عبروا شريط حياتنا ثم مضوا؟
أصدقاء ومحبّون كانوا ذات يوم جزءًا من تفاصيلنا اليومية، أصواتهم مألوفة، وضحكاتهم قريبة، وحضورهم يملأ الأمكنة، ثم غابوا فجأة، تاركين في الحلق غصّة وفي الذاكرة فراغًا لا يسدّه الزمن.
حين نفقد إنسانًا عرفناه عن قرب، لا نستعيد صورته وحدها، بل نستعيد معها تناقضاته أيضًا: محاسنه وأخطاؤه، قوته وضعفه، ما أحببناه فيه وما آلمنا منه. فالموت لا يمحو الحقيقة، وإن كان يدعونا إلى الرحمة والتسامح. وربما يكون الوفاء الأصدق للراحل ألا نصنع منه صورة مثالية لم تكن موجودة، بل أن نتأمل تجربته كما كانت، بما حملته من وجع وكبرياء، ومن أحلام وانكسارات، ومن حاجة أخفاها وراء جدار سميك من المكابرة.
عرفتُ في حياتي صديقًا من هذا النوع. امتدت صداقتنا سنوات طويلة، وحاولنا خلالها أن نبني مساحة من الود والاحترام والوفاء، وأن نقدم ما نستطيع حين تضيق به الدنيا.
كان قد عرف قسوة الحياة، وعانى شظف العيش وتقلب الأيام، حتى إن الفقر طرق بابه في مراحل قاسية، لكن حاجته لم تكن سهلة الاعتراف.
كان يفضّل أن يقسو على نفسه على أن يُظهر ضعفه أمام الآخرين، ويرفض أحيانًا يد الصديق قبل أن تمتد إليه.
وقد تكون عزّة النفس فضيلة، لكنها حين تتحول إلى عناد دائم، وحين يصبح الكبرياء حاجزًا بين الإنسان ومن يحبّونه، تفقد معناها الجميل. فليس في قبول المساعدة مذلة، وليس في الاستماع إلى صديق انتقاص من الكرامة. الإنسان، مهما امتلك من معرفة أو موهبة أو تجربة، يظل بحاجة إلى الآخرين، مثلما يحتاج الآخرون إليه.
كان صاحبنا واعيًا، مثقفًا، ومدركًا لقدرات من حوله، لكنه كثيرًا ما وقف منهم موقف المتحفّظ، وأحيانًا الرافض. يُقلل من إنجاز هذا، ولا يرى في تجربة ذاك ما يستحق التقدير، وكأنه يخوض معركة خفيّة لإثبات أنّه الأعرف والأكثر قدرة. والمفارقة أن بعض أولئك الذين كان ينظر إليهم بهذه العين خرجوا من البيئة نفسها التي خرج منها، بل إن بعضهم استطاع أن يشق لنفسه طريقًا أبعد: تعلّم، وسافر، وعمل، ووصل إلى مدن وبلاد ظلت بالنسبة إليه أمنيات مؤجلة لم تتحقق.
غير أن سلوكه كان يتغير حين يكون في حضرة أشخاص يراهم أعلى مكانة أو أكثر شهرة أو تعليمًا. هناك كان صوته يهدأ، وحدّة مواقفه تتراجع، ويصبح أكثر إصغاءً ومجاملة. وربما حاول التقرب منهم وكسب ودّهم، فيما كان أكثر قسوة مع البسطاء والمقرّبين الذين أحبّوه واحترموه من دون شروط.
وهنا تكمن واحدة من أكثر المفارقات الإنسانية إيلامًا: لماذا نقسو أحيانًا على الذين يُحبّوننا، ونلين أمام الذين لا يحتاجون إلينا؟
ربّما لأن الحب الصادق يمنحنا شعورًا زائفًا بالأمان، نظن أن الصديق الوفي سيبقى مهما أهملناه، وأن القريب سيتحمّل مهما أسأنا إليه، وأن الإنسان الذي يقدّرنا سيغفر لنا دائمًا. أما أصحاب المكانة والنفوذ، فنخشى خسارتهم، فنختار كلماتنا أمامهم، ونزن تصرفاتنا، ونقدم لهم الصورة الأفضل من أنفسنا.
لكن العلاقات الإنسانية لا تعيش على الاحتمال إلى الأبد. فحتى أكثر الناس وفاءً يتعب، وحتى القلب الذي يغفر كثيرًا يحتفظ بندوب لا تزول بسهولة. والتواضع ليس تنازلاً عن القيمة، بل اعتراف بأن البشر متساوون في حاجتهم إلى الاحترام، وأن المعرفة لا تمنح صاحبها حق الاستعلاء، والموهبة لا تعطي صاحبها امتياز إهانة الآخرين.
لقد حاولنا، نحن أصدقاءه، أن نظلّ قريبين منه. أحببناه بالرغم من صعوبته، وغضضنا الطرف عن الكثير من مواقفه، وقدّمنا له ما استطعنا بحسب إمكاناتنا. لكن بعض الناس يبنون حول أنفسهم حصونًا يصعب اختراقها. كانوا يريدونه قريبًا منهم، بينما كان يُصرّ على البقاء وراء جدار كبريائه، كأنه يعتقد أن التنازل البسيط سيهزّ صورته أمام نفسه.
ومضت الأيام، وبقي كما كان تقريبًا، لم تغيّره قسوة الظروف، ولم تدفعه الحاجة إلى إعادة النظر في علاقته بالناس.
كان يواجه الحياة وكأنه أكبر من آلامها، وأقوى من حاجته إلى الآخرين، بينما الحقيقة التي نتعلمها متأخرين أن الإنسان لا يكبر إلا بالناس، ولا يبقى منه بعد رحيله سوى الأثر الذي تركه في قلوبهم.
واليوم، حين نستعيد صورته، لا نستطيع إلا أن نحزن. نحزن على تعامله مع أصدقائه بالرغم من محبتهم وتقديرهم له، وعلى ما عاناه، وربما أكثر من ذلك على المسافات التي صنعها بنفسه بينه وبين الذين أحبّوه.
فالموت يضع أمامنا سؤالاً لا مهرب منه: ماذا يبقى من الإنسان بعد أن يصمت صوته؟
لا يبقى المال، ولا المكانة، ولا ادعاء المعرفة، ولا انتصار عابر في جدال. الذي يبقى حقًا هو كلمة طيبة قيلت في وقتها، ويد امتدت إلى محتاج، واحترام منحناه لإنسان لم يكن يملك شيئًا سوى كرامته.
ولهذا قد يكون أجمل ما نتعلمه من الذين رحلوا، حتى من أخطائهم، أن الحياة أقصر من أن نهدرها في الاستعلاء، وأن الصديق الذي يقف إلى جوارنا في أيام العسر أثمن من كثير من الوجوه التي نسعى إلى إرضائها، وأن الكبرياء إذا تجاوز حدّه لا يحمي صاحبه، بل يعزله.
وحين تأتي النهاية، لن يسأل أحد كم مرة انتصرنا على الآخرين، بل ربّما يكون السؤال الأهم: كم قلبًا أبقيناه قريبًا منا قبل أن يحين موعد الرحيل؟

